رأي

استراتيجيات

استراتيجيات

د. عصام بطران

ميدان الرصاصة الاولى …!!

  • (من أطلق الرصاصة الاولى)؟؟… هو السؤال الأول للجان التقصي والبحث حول (المعتدي) أولا في الحروب ، ولكن ليس الطلقة الأولى هي دليل اثبات قاطع على من هو الجاني دون النظر إلى الحيثيات وتتبع الأحداث لما قبل خروج الرصاصة الأولى…
  • لعل اعلان الحرب في السودان ومن المعروف توثيقا كانت بدايتها بين الساعة 7:00 – 8:55 صباح السبت الموافق الخامس عشر من شهر أبريل 2023 م في أربعة ميادين دون ترتيب في القيد الزمني، الأول: البيت الرئاسي وحي المطار، الثاني: القصر الرئاسي، الثالث: معهد الاستخبارات، الرابع: أرض المعسكرات في سوبا المعروف بالمدينة الرياضية…
  • واقع الأمر أن الطلقة الأولى بأي حال من الأحول لم تكن في إحدى المقرات المذكورة بل كانت جميعها هي (الرصاصة الأخيرة) أي اتخاذ القرار بالمواصلة في الحرب والتي لم تبدأ في 15 أبريل…
  • المتتبع لمجريات الاحداث قبل قرار المواصلة في الحرب لا بد ان يستدعي (رزنامة) اجندة الفترة من ديسمبر 2022 م الى النصف الاول من شهر ابريل 2023 م لمعرفة من اطلق الرصاصة الاولى في الحرب الدائرة في السودان:
  • في الخامس من ديسمبر 2022 م وعقب حراك سالب للمبعوث الدولي لبعثة اليونيتامس الى السودان الالماني فولكر بيرتس تم التوقيع على الاتفاق الاطاري ضمن عملية واسعة اطلقتها بعثة دعم الانتقال السياسي في السودان للوصول الى تسيد قوى اعلان الحرية والتغيير للمشهد السياسي مرة اخرى عقب فشلها مرتين سابقتين منذ العام 2019 م انتهت الاخيرة باعتصام تيار قحت القوى الديمقراطية المعروف باعتصام القصر الشهير الذي قدم على اثره دكتور عبدالله حمدوك استقالته من رئاسة الوزراء عقب عودته باتفاقه مع البرهان بعد اجراءات 25 اكتوبر 2021 م…
  • الاتفاق الاطاري اقترح قيام 5 ورش لمناقشة قضايا من ضمنها اصلاح المؤسسة العسكرية والامنية وهذه الورشة هي (القشة التي قسمت ظهر البعير)، ففي السادس والعشرون من شهر مارس 2023 م بدات اعمال الورشة بحضور دولي واقليمي وسط توترات بائنة بين الضلعين الرئيسيين في العملية العسكرية (الجيش – الدعم السريع) ونقطة الاختلاف الجوهرية بينهما تكمن في المدة الزمنية لدمج قوات الدعم السريع داخل القوات المسلحة والتي اقرتها الورشة في عشر سنوات بينما ترى القيادة العامة للجيش ان لا تتعدى عملية الدمج ثلاثة اعوام، حينما تؤيد القوى السياسية اتجاه مقترح الدعم السريع لحسابات تخصها ربما لاتفاق كتب بالحبر السري بين قحت والدعم السريع لتكون الاخيرة الجناح العسكري للقوى السياسية الموقعة على الاتفاق الاطاري…
  • قمة التوتر بين الجيش والدعم السريع بدفع من تيار المركزي بقوى اعلان الحرية والتغيير وبدعم مباشر من عراب اليونيتامس فولكر بيرتس تجلت في الجلسة الختامية لورشة الاصلاح الامني والعسكري في 29 مارس 2023 م وفي خطوة مفاجئة انسحب ممثلو القوات المسلحة والمخابرات والشرطة من الجلسة الختامية لاحتدام الخلاف بين العسكريين حول الجداول الزمنية لدمج الدعم السريع، والتي ترى قيادات الجيش أن يتم دمجه في ثلاث اعوام، فيما تمسكت قيادات عسكرية سابقة محسوبة الى تيار قحت بأن يتم الدمج في مدة لاتتجاوز العشر اعوام وقد ازداد التوتر والتحول الى عنق الازمة بغياب الفريق اول عبد الفتاح البرهان عن المشاركة في الجلسة الختامية…
  • في الاسبوع الاول من شهر ابريل 2023 م بدات القوى السياسية الموقعة على الاتفاق الاطاري بتصعيد لهجتها تجاه المؤسسة العسكرية وقيادة الجيش ولوحت بأن من يقف عائقا امام تنفيذ الاتفاق الاطاري لاوجود له في الخارطة السياسية السودانية وصرح منسوبيها بالعبارة الشهيرة: (اما الاتفاق الاطاري او الخيارات الاخرى) وقال بعضهم: (اما الاطاري او الحرب) في اشارة ليس لها تفسير غير اتفاق تم ابرامه بين قحت والدعم السريع لتنفيذ الاتفاف الاطاري بقوة السلاح او الانقلاب على قيادة الجيش بما يسمى الانقلاب السياسي المدعوم دوليا واقليميا عبر قوة عسكرية يمثلها الدعم السريع…
  • في الثالث من ابريل 2023 بدات قوات الدعم السريع تنفيذ عمليات اعادة انتشار وتموضع ملحوظة في عدد من المواقع الاستراتيجية ودخول اعداد كبيرة من قواتها الى منطقة المدينة الرياضية جنوب الخرطوم بينما تموضعت نخبة من قوات الدعم السريع حول محيط شارع الجامعة وتقاطع شارع القصر المواجه للقصر الجمهوري…
  • في الرابع من ابريل 2023 م أغلقت السلطات وبشكل مفاجئ كبري ألمك نمر مسار بحري الخرطوم وسمحت بمرور المركبات القادمة من الخرطوم الي بحري ومنعت مرور العربات القادمة من بحري نحو الخرطوم مما أحدث ربكة واضطر المواطنون القادمين من بحري عبور الجسر بالارجل وقد شاهدت عدد مهول من المجنزرات والمدرعات والمعدات العسكرية الثقيلة تعبر جسر المك نمر فيما يبدو انها عملية اعادة انتشار للقوات المسلحة نتيجة قراءة الملعب العملياتي ردا على تحركات قوات الدعم السريع داخل العاصمة…
  • في الخامس من ابريل 2023 م كتبت مقال منشور بالصحف ضمن عمودي استراتيجيات بعنوان: (معارك الخرطوم) اعيد منه المقطع الاخير هنا لمزيد من ايضاح ذروة الاحتقان وتوقعات اندلاع الحرب: (لا اجزم ان قلت ان هناك معركة قادمة تلوح في الافق من واقع التحليل الاستراتيجي فان اعادة الانتشار جزء من استراتيجية عسكرية جديدة) ثم ذكرت ان: (معارك الخرطوم ليس كبقية المعارك لان القتال داخل العاصمة باهظ التكاليف في الارواح والممتلكات ومهدد لبقاء الدولة) ثم ختمت: لا ازايد ان قلت الكتمة القادمة هي من ضروريات الاستقرار المستدام لان المنتصر فيها حتما هو الجيش حسب مجريات معارك الخرطوم السابقة، وبانتصار الجيش ستحسم الملفات ويعود الامن والاستقرار للبلاد والعباد، ولكن بلا شك سيفقد الوطن ارواح عزيزة من ابنائه ويبقى العزاء في (الجاتك في مالك سامحتك)… وبالفعل (حدث ما حدث)…
  • في العاشر من ابريل 2023 م نقل بعض شهود العيان بحسب مصادر مطلعة ان قوات الدعم السريع وعبر أحد الأعيان بمروي بدأت في بناء سور ومرافق في أرض محاذية لمطار مروي دون معرفة وموافقة الجيش باعتبار ان المنطقة عسكرية تقع ضمن اوامر التحركات المتعارف عليها بين وحدات القوات المسلحة ولعل هذه الجزئية قد أثارت حفيظة القيادة العامة ولكن تباطأت في اتخاذ إجراءات إلى حين وقعت الطامة الكبرى وهي التي تمثل انطلاقة الرصاصة الأولى في حرب أبريل…
  • في يوم الخميس 13 أبريل 2023 م أصدرت القوات المسلحة بيانا أكدت فيه أن قوات “الدعم السريع” حركت قوات في العاصمة والولايات دون إخطاره، وأضاف البيان أن تحركات قوات الدعم السريع داخل العاصمة والولايات مخالفة لمهام ونظام عملها، محذرا من أن البلاد تمر بما وصفه بالمنعطف الخطير، وأن التحرك سيؤدي إلى مزيد من التوترات التي تقود لانفراط عقد الأمن في البلاد. وأضاف الجيش في بيانه “نجدد تمسكنا بما تم التوافق عليه في دعم الانتقال السياسي، ونحذر القوى السياسية من المزايدة بموقف القوات المسلحة” وصادف بيان الجيش تحرك 100 عربة بكامل عتادها وارتكزت في محيط مطار مروي…
  • من خلال (رزنامة) الأحداث يتضح تماما أن ميدان الرصاصة الأولى للحرب لم يكن في المدينة الرياضية او القصر الرئاسي او بيت الضيافة او معهد الاستخبارات ، انما تم اطلاقها من الميدان السياسي وبالتحديد من القوى السياسية الراعية للاتفاق الإطاري ولم تكن مليشيا الدعم السريع المتمردة سوى الأصبع الذي داس على الزناد…
زر الذهاب إلى الأعلى