المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (35)

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (35)
بقلم السفير عبد الله الأزرق
واشنطن (12)
خطة فصل الجنوب (د)
قناعتي أن الدولة أنثى.
ولإيضاح هذه الفكرة كتبت مقالاً في صحيفة الأستاذ المبدع وافر المواهب عادل الباز؛ اتخذت له عنواناً:
(أحمر شِفَاه للدولة).
ولأن الدولة أنثى، فهي تحمي نفسها أن تنتهك سيادتها، كما تحرص المرأة على صون عِرضها.
ولأنها أنثى، فالدولة تحرص على أسرارها، تُدثّرها بالواقيات الأمنية، تماماً كما تحفظ المرأة أسرارها الخاصة الأثيرة ومكنونات أسرتها.
ولكونها أنثى، فهي تتجمل وتُزيّن صورتها، مثلما تتجمل الأنثى بجميل الثياب ونفحات العطور وفاخر المساحيق.
وتُنيط الدولة مهام الحماية، وصون الأسرار، والتزيين بأجهزة عديدة.
ويبرز الدبلوماسيون من بين أهم من تناط بهم مهمة التزيين والتجميل.
ولِحُسْنِ أداء هذه المهمة يبدأ الدبلوماسي بنفسه، فيتخذ لنفسه ملبساً أنيقاً وعطراً.
وينتقي كلماته وعباراته تهذيباً وتنميقاً دون تَعَمّلٍ أو تكلّف.
ويحدّث الآخرين بتقاليد وثقافة قومه.
ويعكس حضارة بلده وتاريخه؛ ولا ينسى موارده وثرواته… وهلمَّ جرا.
ويَجْمُل بل يجب على السفير أن تكون له مائدة عامرة.
قرأت أن ملك المغرب خاطب مؤتمراً لسفرائه، فقال لهم: “أحذركم من شيء واحد ألا وهو البخل”.
ولكن عمل الدبلوماسي في التزيين والتجميل تواجهه تحديات ومصاعب تقترفها دول منافسة أو معادية.
وقد تُشوّه مساعيه زُمرٌ من بني جلدته، يُفسدون ولا يُصلِحون، ويقتاتون مال سُحْتٍ نظير عمالةٍ حدَّثتهم بها أنفسٌ خائنة مريضة.
وهؤلاء خاصة يحبطون الدبلوماسي، فيتحسّر:
متى يبلغُ البنيان يوماً تمامُهُ
إذا كنتَ تبنيهِ وغيركَ يهدِمُ
ومن أسف أن هذه الشراذم عملت مع (المجلس) تتمسّح بأقدام قذرة كأقدام برندرقاست.
وعرف السودانيون من بين هؤلاء – في مرحلة لاحقة – عمر قمر الدين.
لكن قليلين عرفوا أن من بينهم الراحل فاروق أبو عيسى، يتواصل معهم، ويُمْعِن في بَثِّهِم أكاذيب تُطرِبْهُم. ولا عجب.
تذكرت أن داقني كان يستشهد بأبي عيسى في معرض دفاعه عن موقفه من الحكومة، قائلاً: إن أبا عيسى أفادهم بمعلومات عنها. ولعله لم يكن يحيط بخلفية أبي عيسى الأيديولوجية.
وعلى كُلٍ لَقِيَت إفادات أبي عيسى لهم هوى في النفوس.
كان أبو عيسى وزير دولة بالخارجية حين حكم الشيوعيون مع نميري. ولأن لكل حكومة متزلفين ومنافقين يتقربون إليها بما تُحب؛ جاءه يسعى متزلفون يوماً، وقالوا له: إن السفير أحمد الكردفاني يُصلي بالعمال الظهر تحت الشجرة.
أنكر أبو عيسى خبرهم، ولم يصدِّق أن الكردفاني يمكن أن يقترف تلك الفعلة!
وانتظروا يوماً، فلما كَبّر الكردفاني للصلاة هُرعُوا إليه، يأتُونَه بالخبر اليقين، قائلين له: إنه يمكنه أن يرى الآن الكردفاني وهو يصلي بالعمال.
أطلَّ سعادة الوزير فرأى الكردفاني وهو يأتي ما يراه مُنكراً!!
عندها التفت للوشَاة قائلاً: “خلوه عليَّ”!!!
لكن “خير الماكرين” له تدابير يدافع بها عن الذين آمنوا.
إذ نفذ الشيوعيون انقلابهم على النميري في اليوم التالي؛ وظل أبو عيسى مشغولاً حتى اليوم الثالث.
فأتى الله بنيانهم من القواعد، وخرّ عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون.
وواصل الكردفاني إمامته بالعمال!!
لم أعمل أنا تحت الكردفاني، ولكني وجدت حُسنَ سيرته ممن عمل تحته.
فقد ذكروا أنه كان يتخذ ثلاجتين في منزله؛ واحدة لأسرته، والأخرى للضيافة.
وحَرّم على أبنائه أن يقربوا ثلاجة الضيافة.
وكان ذلك وَرَعا جديراً بأن يُذكر وأن يُحتَذى.
وقررتُ أن أحتذيه إذا صرت سفيراً.
وقد طبَّقته، ولله الحمد.
قُلنا: إن (المجلس) نجح في تعيين دانفورث عبر جراهام مبعوثاً للسودان.. ولما التقى بوش أمره بتنشيط التفاوض بين الشمال والجنوب.
ولكن (المجلس) يحرص على إبقاء كل الخيوط بين يديه؛ ولا يرضى أن يجري أمرٌ يخص السودان وراء ظهره.
فعندما زارت دبرا فيكس، المتحدثة باسم التحالف المسيحي لميدلاند (مدينة بوش) السودان؛ ضاقوا بها ذرعاً، ودون سبب منطقي، شنوا عليها حملة شعواء، واتهموها بالسذاجة. فكيف تجرؤ على الذهاب للسودان!!!
هذا رغم أنها ذهبت للسودان تمهيداً لزيارة دانفورث وبعد استشارته.
وفي ذلك الوقت أقنع مدير المعونة الأمريكية، أندرو ناتسيوس، روجر وينتر بالرجوع للعمل الحكومي، وبحجة أن بوش يجتهد في التدخل في موضوع الحرب والسلام في السودان، ولخبرته السابقة فإن عودته ستكون مفيدة، فعاد.
وعُيّن مستشاراً لدانفورث.
وهذا يعني أن (المجلس) عاد إلى قلب الشأن السياسي السوداني.
وما كان خافياً تَحُيّز روجر وينتر ضد السودان، تماماً مثل داقني والآخرين.
وحتى دانفورث يعلم تحيُّز وينتر، لكنه كان يقول: إن وينتر يعرف تفاصيل المشهد السوداني.
ولـمّا تطوّرت الأوضاع إيجابياً في مساعي السلام وتم توقيع اتفاقية متشاكوس في 2002، لم يكن ذلك المسعى مريحاً (للمجلس).
أمّا حين تبنت CIA في 2003 التوجُّه الرامي لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ضاقت على (المجلس) الأرض بما وَسِعَت.
يعلم (المجلس) أن رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب يعني تجريده من الأجندة وإخراجه من المشهد.
ولذا جيّش كتابه واستكتب مناصريه، فسوّدوا الصحائف ذمّاً في السودان وحكومته، رغم جنوحها للسلام.
كتب نيكولا كريستوف، وكتب أريك ريڤز، وآخرون من شيعتهم مقالات عديدة وتعليقات شتى، تشجب كلها خطوة الرفع تلك.
ويعلم العارفون بالغرب شراسة الصحافة الغربية، ومقدرتها على صنع الرأي العام، قبولاً أو رفضاً لشأن معين.
ويعلمون حذر، وأحياناً خوف متخذي القرار من شراسة الصحافة والإعلام الغربي..
فهم يؤمنون أنه يضر وينفع.
فلماذا يدخلون في شأن خارجي قال (الكُهّان) إنه مضر وغير صائب، فيضرهم في دوائرهم الانتخابية، أو يسيء سمعتهم.
وبذا قتلوا بادرة المخابرات المركزية إزاء السودان.
وكمثال على قوّة تأثير الصحافة في الغرب؛ أذكر خلال فترتي وأنا سفير بلندن أن مقالات كُتبت في التايمز The Times والقارديان The Guardian عن ثلاثة وزراء، كانت سبباً في استقالاتهم من مناصبهم.
أمّا ملايين الدولارات التي جمعها برندرقاست ورهطه باسم مُعْوِزي الجنوب في أميركا فلم يصلهم منها دولار واحد. ولم يستفسرهم الذين استخدموهم من المعارضين السودانيين عنها. وطبيعي أن يعجز المُسْتَخدَم عن استِجْوَابِ مُخَدِّمِهِ!!!
كان أعضاء (المجلس) يتحدثون عن أن هدفهم هو إقامة نظام ديمقراطي في الخرطوم؛ ولكنهم ما كانوا نزيهين ولا أمناء وكانت ذمتهم المالية مُتّسِخَة، بل وجعلوا من نشاطهم في (المجلس) وسيلة ارتزاق.
وكان مُسْتَخْدَموهم من السودانيين يزعمون أنهم طلاب ديمقراطية أيضاً. ولكن ذلك الادعاء كان يفتقر لحقيقتين:
— جهلهم أن ديمقراطية أميركا أُحِيلتْ إلى إمبراطورية.
— أن الخلفية الأيديولوجية لليساريين منهم، لا تشفع لهم للحديث عن الحريات والديمقراطية. وما كانت ممارسات النظم التي حكمت تحترم الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان.
أما دعم السيد الصادق المهدي ممثلاً في نائبه نور الدائم (للمجلس) فما كان إلا تطبيقاً لبيت تأبط شراً:
إن بالشِّعْبِ الذي دونَ سَلَعْ
لَقَتِيلَاً دَمُهُ ما يُطَلْ.
ثأراً لحكمٍ فقدوه، فما يراعون في ثأرهم إلّاً ولا ذِمّة.
وكان من أسباب حزني على موقف دكتور نور الدائم رحمه الله ؛ أنه عُرفت له أفضال كشيخ عرب ؛ ولكن الغُبن السياسي أعمى بصيرته .


