ثقافة وفنونرأيمنوعات

ما بين باريس والخرطوم… قلب لا يعرف الحياد

بقلم: د. ميادة الطيب البدوي

(الفصل الأول: ليلة لا تنسى)

لم أخرج من السودان كلاجئة سياسية، ولا كطالبة علم، ولا كحلمٍ يركض خلف مدينة أضواءها لا تنطفئ.

خرجتُ لأنني كنتُ أنثى… وأن تكوني أنثى في السودان التسعينيات، يعني أن تكتبي مصيرك بالدمع أو بالهرب.

في تلك الليلة، لم أودّع أحداً.

لا أمي، ولا شقيقتي التي كانت تقف بجانب الباب وتبكي بصمت، ولا أبي الذي صوّت مع إخوته أنني يجب أن أتزوج “ابن عمك… غصبًا عنك، عشان نحفظ شرف العائلة”.

لم أكن قد تجاوزتُ الثامنة عشرة، لكني كنتُ قد تجاوزت الخوف.

لم يكن في ذلك الزواج سوى سجن مذهب، أراده لي أهلي حبا على طريقتهم، وقهراً على طريقتهم أيضاً

ففي البيوت السودانية، لا تزال بعض الأمهات يقلن لبناتهن: “أرضي… وبكرة تحبيهو”، دون أن يعلمن أن الحب لا يُؤتى من باب القهر.

هربت.

نعم، خرجت من بيتنا في امدرمان قبل الفجر، وفي حقيبتي الصغيرة دفتر به قصائد لم أُكملها، وصورة جدتي، وكيس تراب، أخذته خلسة من حوش بيتنا كما قالت لي قديمًا:

“يا بتّي، لو حصل يوم مشيتي بعيد… ختي التراب ده في هدومك، ما يكسّروك الغربة.”

كانت الخرطوم يومها تمشي على رؤوس بنادق، لا صوت يعلو فوق صوت “البيعة”، ولا شأن يُعطى للنساء إلا من باب الطاعة أو العار.

الخيارات أمامي كانت:

إما أن أُسلّم نفسي لعريسٍ لم أختره، أو أختار حريتي… بكل ما تحمله من وجع.

خرجتُ وحدي، لكنني كنت أحمل في قلبي كل النساء اللواتي لم يخرجن.

كل من صمتن تحت اسم “سترة”، وكل من بُني لهن قفص من ذهب ووُضعن فيه دون مفاتيح.

لا زلت أذكر صوت أبي وهو يقول:

“نحن ما بنقبل المرة ترفع راسها فوق راس راجل”

وأتساءل الآن: كم امرأة دفعت ثمن هذه العبارة حرفياً

من الخرطوم إلى القاهرة، ومنها إلى باريس، كانت رحلتي هروباً من قهرٍ شخصي، لكنها كانت أيضًا بداية تشكّلي كامرأة تكتب، وتشهد، وتُعلن على رؤوس الأشهاد:

لا صمت بعد اليوم. لا طاعة عمياء. ولا حب بالإكراه.

زر الذهاب إلى الأعلى