ما بين باريس والخرطوم… قلب لا يعرف الحياد (2)

بقلم: د. ميادة الطيب البدوي – باريس
حين أفتح نوافذ شقتي على خرير الصباح، يتسلّل إلى أنفي عبقٌ لا يُخطئه قلبي: رائحة القُرقوش وندى نخيل الصباح في أزقة أم درمان… لا أدري كيف تسافر هذه الروائح آلاف الكيلومترات لتعانقني كل يوم عند الشروق، لكنّي أعلم تماماً أن الوطن حين يُحبّك، لا ينسى أن يضع لك أثرًا صغيرًا حتى على وسادة الغربة.
باريس مدينة أنيقة، لكنّ أناقتها لا تُغنيني عن شوارع الثورة و العباسية.
هنا في باريس، كل شيء نظيف ومرتب… لكن من قال إن الحنين يحب النظام؟
الحنين فوضى، والخرطوم في القلب فوضى محبّبة .. أصوات الباعة في سوق امدر، صوت المؤذن يمتزج بنداء “ليمون مركز واحد جنيه”، ضحكات الأطفال ساعة المغرب، وحتى غبار الصيف، له مكان في ذاكرتي كما لو كان طلاءً أخيرا يكتمل به وجه المدينة.
أنا لم أهرب من الوطن، أنا فقط هربتُ من تلك اللحظة التي نظرتُ فيها إلى من يفترض به أن يحميني، فوجدته يزرع في قلبي أول شرخ في المرآة. كنت مراهقة، وكان هو والد زميلتي. في لحظةٍ واحدةٍ انهارت الثقة، وبدأتُ أكتب دون أن أعلم أنني أكتبُ عن الخوف.
ركضتُ، لا نحو النجاة فقط، بل نحو إعادة تعريف نفسي. ركضتُ إلى مصر، ثم إلى أوروبا، وكل محطة كانت تقول لي: «ستكتبين يا ميادة، ستكتبين… وإلا فإنك ستموتين بصمتك».
باريس منحتني سقفاً وعنواناً ورقم هاتف. لكن السودان وحده منحني لُغة، وذاكرة، وحنينا لا يهدأ.
أجلس كل صباح في مقهى صغير قرب المكتبة الوطنية، أكتب وأراقب وجوه الفرنسيين، أبحث في قسماتهم عن شيءٍ يشبه أمّهاتنا… فلا أجد.
هنا لا أحد يعرف كيف تُصنع القُراصة، أو لماذا يُغنى للأطفال قبل النوم “النوم تعال سكت الجهال”.
لا أحد هنا يُدرك أنَّ طمي النيل ليس مجرّد طين، بل توقيعٌ من الله على قلب من وُلدوا في ضفّتيه.
أكتب لكم اليوم وأنا أراقب غروب الشمس من فوق جسر بونت نوف، أسمع موسيقى من بعيد، لكن ذهني مشغولٌ بأغنية لوردي لم تكتمل في ذاكرتي.
أحاول أن أتذكّر نهايتها، فلا أجد إلا قلبي يخفق وحده، كأنّ الخرطوم ما زالت تنادي: “ارجعي يا ميادة، فالحكاية لم تنتهِ بعد”.
أنا لا أؤمن بالحياد. لم أعد أحتمله. من يستطيع أن يكون محايداً حين يرى بلاده تُحاصر بالجوع، وأحبابه تُقتلهم الغربة قبل البندقية؟ من يستطيع أن يكتب وكأنّ لا شيء يحدث؟
لقد تعلّمت أن الحياد في زمن الألم خيانة، وأنّ الكتابةَ لا تكون شريفة إلا حين تنحاز للوجع، وتخيط للناس أملاً من خيوط المستحيل.
العودة؟ نعم… قد أعود. لا أدري متى، ولا كيف. لكنني أعلم أن العودة لا تعني فقط أن تطأ قدماك أرضاً أحببتها، بل أن تكون مستعدا لتواجه الحقيقة دون أقنعة.
أن تعود يعني أن تتصالح مع طفلتكِ القديمة، مع تلك التي ركضت ذات صباح خوفا من نظرة، ومنحتكِ هذه الحياة الجديدة.
لذلك، حين أسأل نفسي في المساء: هل أستحق هذا الوطن الذي أكتب عنه؟ أقول: ربما لا. لكنني أحاول، بكل ما أملك من حب وصدق وحروف، أن أكون على قدر تلك الأرض.
وأنا أكتب، أزرع شجرة ليمون على ضفاف الورق، وأهمس لها: “حين أعود، سأجدكِ هناك، خضراء، في انتظار الظلّ”.
⸻
د. ميادة الطيب البدوي
كاتبة سودانية مقيمة في باريس


