رأي

انطفأ مُوقِدُ القناديل.. بَلَّو موسى محمد

انطفأ مُوقِدُ القناديل.. بَلَّو موسى محمد

بقلم :المسلمي البشير الكباشي

بَلَّو موسى محمد عبد الله ،أو الاستاذ بَلَّو، اسم تردده بادية الكبابيش من غربي أم درمان وعبر ولاية شمال كردفان وحتى تخوم دار فور، أطل على الدنيا في بداية النصف الثاني من أربعينات القرن المنصرم، في بيئة بدوية لا تعرف كثيراً من الدروب إلى عالم الحضر، ولا يختلف أهلها إلى بنادر أو بيادر.. ولكنَّ من حظ الصبي بلَّو يومئذٍ أن تفرعت بعض الدروب إلى التعليم، وحينما بلغ الصبي مبلغه، انخرط فيه متنازعاً بين فضاء البادية الحر، وصعاب التعليم الذي يرونه مقيداً للأخيلة والأرجل ،ويحتاج صبراً طويلاً بين مساكن التلاميذ، وغرف الدراسة لتسعة أشهر كل عام، يديرها المعلمون بجدية وصرامة.
صابَرَ التلميذ وثابَرَ بين عَنَتِ الدراسة وأشواق الحرية إلى عالمه الذي فُطِر عليه، إلى أن بلغ ( خورطقت ) الثانوية.
ومن يبلغ خورطقت في ذلك الزمان كأنّما انتقل إلى عصر الفضاء بينما يرزح أهله في عوالم الشاة والبعير بكثير من السعادة التي لا يرونها إلا في عالمهم.
حين أطل فجر خورطقت في سني تَفَتُحِ بلّو، لمعت معه بروقُ الوعي، ليس فقط بعوالم الأهل الرازحة في حفر التخلف، بل الوعي الوطني كله، فبين جدل الفكر والسياسة في ثانويات ذلك الزمان، وصخب التطلع المحمول على أجنحة أمل ما بعد الاستقلال، والإنفتاح على عوالم تبدو بعيدة عن وطنٍ منهك من ثقيل أحمال التخلف، ومفعمٍ بنداءات التقدم، بين هذا وذاك استقر هوى دفين، وحُبٌ كمين، استحال عند الرجل إلى دَورٍ ورسالة.. ففي خورطقت الثانوية اختار الإتجاه الإسلامي منظاراً لرؤية الناس والأفكار والأشياء، واختار بعد التخرج مهنة التعليم دَوراً ورسالة، واختار بادية الكبابيش حقلاً للكفاح،ومسرحاً للعطاءات، واختار ذوي قرباه مشروعات للتحدي. وأخذ كل هذه الاختيارات مأخذ الجد، فانغمس في خليط يحاول فرز خيوطه لينسج منها كسوةً تواري سوءة التخلف، ويفتح في فضاء وطنه أفقاً للتقدم .
عمل الأستاذ بَلَّو معلماً للغة الإنجليزية في المدارس المتوسطة، وسرعان ما طبَّقت شهرته حواضن التعليم، ففيه اجتمعت مهارة المعلم، وصرامة المربي،وحكمة الأستاذ ، وحنو الوالد، وغيرة الوطني.
تراه منذ مطلع الفجر وحتى الغسق مشغولاً بتلاميذه، يسدد ويقارب ، وحين يقبل الليل ينخرط في مصالح البلدة والأهل، يدفع بسهم ذي وزن في كل ما من شأنه أن يرسي خدمةً أو يسدي مصلحةً، في منظومات الناس الإدارية والسياسية والثقافية والاجتماعية، عَلَماً لا تخطأه عين، وصوتاً لا تصم عنه أُذن..
سنوات وسنوات يدرج فيها الأستاذ في مدارج المهنة، والخدمة، ومعها يرتقي مجتمعه مرفوعاً على كتفيه .. حتى بلغ في أهله محطَ الحكمة، وموئلَ المشورة، ومستودعَ الرأي ، وموضعَ التقدير والاحترام، فلا يذكر إسمه دون أن تسبقه كلمة الاستاذ.. يندفع إليه الناس حين يعوزهم القرار، وكلهم ظنٌ حسنٌ، ومرتجى أكيد، لمورد عذب ما زادته الأيام إلا نقاءً وصفاءً.
خاصة في مجتمع رعوي، تسوقه الإبل إلى حيث المراتع الخصيبة ، جنوباً غرباً وشمالا، فالناقة لا تعرف الحدود، ولا تعترف بالقيود، تستبيح جواراً ضاجاً بالتداخل، مثقلاً بحمولات التاريخ، تسوده روح القبيلة، ولكن أمثال الأستاذ بلَّو من مَهَرَة التدابير، وحَذَقَة تفكيك التنازع، وتفتيت السخائم، لم يجعلوا حياة الجوار على هشاشتها ممكنةً فقط ، بل ممتعة. الجميع فيها كاسب، فلم يُعرف إلا راوياً جفاف تلك الصحارى بوصال المَحنَّة، فما أن تغشى الناس غاشية، أو تطرقهم طارقة، إلا كان بينهم يسد ما انخرق ، ويرتق ما انفتق .
وهكذا ارتقى الأستاذ بهم حتى أصبح موضعَ ثقتهم، وموقعَ رجائهم، وارتقوا به فغدا رئيسَ المحلية لمرات ، ثم نائبهم في البرلمان القومي دورات ودورات..و اجتمعت في بَلّو، وصفات ومسميات، الاستاذ المربي والإداري والبرلماني والسياسي، وضوء القبيلة، مُسْرِج نارها، ومُوْقِد قناديلها، وقبلة أضيافها.
ذهب الأستاذ بلّو في سبيل الأولين والآخرين، مخلفاً سيرةً عطرةً، وصِيتاً مشرقاً، وسمعةً ًمضيئة، يحملها آلاف التلاميذ الذين تفتحت أذهانهم في الدنيا على وقع درسه، وعصارة فكره، وجزيل عطائه، فكان له في كل مدينة حشد، وفي كل قرية رهط، وفي كل فريق صحبة، وفي كل بيت عِترة. ليست فقط في بادية الكبابيش حيث العزوة ومنبت الاعراق، ولا في دار البديرية حيث النسب والصهر، ولا في شرقي النيل في الكباشي موئل خؤولته. بل عبر الوطن الفسيح حين امتد عطاؤه إلى عاصمة البلاد، سياسياً مدركاً للفرص والتحديات، وبرلمانياً يسعى ما وسعه السعي لاقالة عثرة الوطن . وحين أطبقت على البلاد الظلاماتُ الحالكة، وانسد أفُقُها بالغلالات السوداء، وانهارت بين ناظريه كثير من المعاني التي عاش لأجلها، والقيم التي تربى في كنفها ، لم يحتمل ضميره اليقظ أن يتنفس من تحت ركام الوطن، ولعلمي به روحاً وعقلاً ما ظننت أن المنيةَ أظفرت أنيابها في عنقه، إلا تحت ضغط نفسي كثيف.

زر الذهاب إلى الأعلى