رحيل الاستاذ محمد ميرغني:المعلم المغني

رحيل الاستاذ محمد ميرغني:المعلم المغني
بقلم : عبداللطيف سعيد
قال مرة: انه قد ولد في نفس الشارع الذي عاش فيه سرور وكرومة في امدرمان وأن اباه كان صديقاً لسرور وانه كان الى جانب الصداقة زميلاً له لأن كليهما سائق محترف وقد كان لوالده (لوري) مشهورُُ في شارع سرور!
فمحمد ميرغني يكون قد كسب بذلك مباشرة نقاطاً ايجابية سهلة في طريق الفن: فهو امدرمانيُُ يسكن في حي المكي وود أُرو يرتضع الحقيبة من (بز امها) كما يقول المصريون وكسب التنوير على الوجه الاندر لأن بيته يجاور بيتي الزعيمين الكبيرين: إسماعيل الازهري وعبدالله خليل وبيته من الاذاعة “فركة كعب” يعني كما يقول الفقهاء: بينه وبين نبع الفن ضربة فأس؛ وقد ضربها!
(ابناء السائقين) هم طبقة خاصة من الناس كنت أُسمي السائقين (بملوك الطريق) فأبناء السائقين محظوظون من حيث أن الاب متحرك جوال وفي الحركة (بركة) فغالباً ما يكون بيت السائق خاصةً (سائق اللوري) الذي يسافر المسافات الطويلة غالباً ما يكون بيته (خصيباً) تُجلب إليه الخيرات من اماكن بعيدة ومع الخيرات تُجلب التجارب المتعددة فالأب السائق المرتحل يكون عبارة عن (جراب) تجارب كثيرة متنوعة تثقفه وتنير بصيرته وتجعله مربياً ذا آفاق ثم إن السائقين كانوا على ايام سرور (بداية القرن العشرين الميلادي الماضي) يعتبرون من اصحاب المهن الفنية النادرة ولذلك كان عندهم كبرياء وسطوة ومكانة. وكان إبن السائق( الرحال) عنده ميزة اخرى على ابناء الاباء (الماكثين) وهو أن اباه(يسافر) مما يهيئ له شيئا من براح الحرية والإستقلال ويجد راحة ولو مؤقتة من شدة آباء ذلك الزمان.
وما احسب أن محمد ميرغني قد وجد مشكلة في تعلقه بالفن ما دام ابوه قد كان صديقاً لأول الفنانين.
وهو قد دَرسَ ودرّس في الاحفاد وقد كان رياضيا واداريا رياضياً وقد كان معلماً في المدارس الوسطى لعشرات السنين فما تراكم له من تجارب يجعله إنساناً مثقفاً ذا نظرة في الحياة وتجد ذلك موفوراً في اختياراته البديعة لأغانيه فأغانيه لا تشبه الاغاني (العامة) بل غالباً ما تجد للأغنية مغزى وخصوصية خاصة. تأمل معي في: كلمني يا حلو العيون، انا والأشواق،حنيني إليك، امسكي عليك عيونك ديل، لا بتفاصلي لا بتواصلي لا بتلومي انتي تعيشي يا الكاتلاني قُبال يومي.
ويشبهه إلى حد كبير الفنان هاشم ميرغني صاحب الإختيارات الخاصة جداً كمثل: انتي وانا، عندي كم في الدنيا زيك. وهاشم ميرغني ومحمد ميرغني مهنيان: فالأول مهندس والثاني مُعلم.
ولا نستطيع أن نزعم ان صوت محمد ميرغني يندرج في اصوات التطريب النهائي كأصوات إبن البادية وابو داوؤد والكاشف ومحمد الأمين ولا في اصوات حلاوة (العجوة المعطونة في عسل) كأصوات احمد المصطفى وحسن عطية ولكنه صوت جميل حيوي طروب غِريد يبلغ رسالة اغنيته فهماً وطرباً بالكفاية والزيادة والغاية.
بقيت مسألة عالقة وهي: هل الغناء يتناسب والاستاذية؟
هذا سؤال قديم إذ قد كان عروة بن اُذينة الليثي من التابعين وكان شاعرَ غزلٍ وكان يضرب على العود (ويغني) وهو مع ذلك معدود من الفقهاء و المحدثين وأحد ثقاة اصحاب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمع من إبن عمر وروى عنه مالك بن انس في الموطأ… تأمل!
والناس منقسمون في شأن الغناء: فمنهم من حرمه قولاً واحداً وفسر ( لهو الحديث) التي وردت في سورة لقمان به. ومنهم من قال:هو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح ومنهم من رفض قول بعض المفسرين في (لهو الحديث) في لقمان على أن المقصود به الغناء ونفوا بذلك تحريم الغناء من القرآن الكريم ثم قالوا: إنه لم يثبت من الحديث ما يحرم الغناء وكل الاحاديث الواردة في تحريمه فيها كلام.
مهما يكن من شيء دعونا نترحم على الأستاذ الفنان المبدع محمد ميرغني فكلنا فقراء الى رحمة الله تعالى.


