رأي

الدكتور عبد المنعم بلة حاج حمد رحيل التواضع والقيم النبيلة

الدكتور عبد المنعم بلة حاج حمد
رحيل التواضع والقيم النبيلة

بقلم :هشام عباس زكريا
في نهار يوم الخميس 26/10/2023 رحل عن دنيانا الأخ الصديق العزيز الدكتور/عبد المنعم بلة حاج حمد،سافر الخبر من شواطئ الداخلة التي أحبته وأحبها،فلم يغادرها ولم تغادره، إلى سواحل الشارقة في نهار ماطر مدثر بالغيم،فكان الغيث كأنه دموع نزلت من مقلنا تنعي الطبيب الحبيب الدكتور عبد المنعم بله ،والكتابة عنه هي الرسم في فضاء الإنسانية، والسباحة في بحر الفضائل، والسير في طرق المحبة المزدانة بأشجار القيم النبيلة في حديقة هذا الرجل الأصيل.
بعد تخرجه مباشرة من جمهورية مصر العربية عمل في جميع مستشفيات ولاية نهر النيل،فخلق اسماً كبيراً محفوراً في قلوب المرضى والمترددين للمستشفيات التي عمل فيها.
إن شخصية الراحل الدكتورعبد المنعم بلة يمكن النظر إليها من عدة نوافذ،ونافذته الكبيرة هي بعده الإنساني في تعامله مع الناس بدءً بأسرته، حيث مثل كل قيم البر لوالديه وأخواته وإخوته ولأسرته الصغيرة والكبيرة ولمجتمعه بحي الداخلة،فما كان يتردد أن يذهب مع كل طارق في جوف الليل لمعاينة مريض أو متألم ،كسر كل حواجز التعامل معه فتجده في منتدى الأستاذ أبو القاسم جري بمنزله أمام نادي النجوم،ولا يتحرج أن يعاين المرضى في ذلكم المكان، فقد وضع ميزاناً للضغط في منزل الأستاذ جري تحسباً لكل حالة قد تأتيه وهو في حالة الأنس مع الصحاب فيتحول المكان إلى عيادة ميدانية .
أما النافذة الثانية فهي زهده في هذه الحياة ومعرفته العميقة لها،وهذا نابع من تدينه العميق غير المختلط بالإدعاء وتقييم الناس فقد كان ملتزماً في صمت ،خيره وعطاءه المخفي أكثر مما يعلمه من حوله،لذلك لم تغره النجاحات العلمية ولا المناصب ،فأعطاها هو (برستيجا) ،ولم يجعلها تشكله،هكذا كان الراحل الدكتور عبد المنعم بلة وزير الصحة السابق بنهر النيل الذي تجده جالساً مع الساعي والفراش وكل البسطاء متحرراً من وهم المناصب وبريق السلطة .لم يكن المال هدفه في الحياة فكان أن بدأ بعيادة متواضعة بحي الداخلة هي أشبه بالعمل الخيري يتعالج فيها من يملك، ومن لا يملك ثم انتقل إلى عيادته الحالية وهي (مسيد) كبير لا تجد فيها طبيباً معالجاً فحسب،بل تجد فيها (صوفياً) متبتلاً يسعد لخدمة الناس ومداواتهم ،كان طبيباً مباركاً ،على يديه جرت عمليات جراحية معقدة في زمن كان الناس يتسابقون للسفر للخرطوم للعلاج، فكان الدكتور عبد المنعم بلة أول من مارس توطين العلاج بولاية نهر النيل.
إن النفذة الثالثة التي يمكن النظر إليها للدكتور عبد المنعم بلة هو التسامح والتعالي عن الصغائر،فعندما تولى وزارة الصحة بنهر النيل وأصبح شخصية عامة لم يستجب للنقد من البعض ،وعفا عنهم ، وكان لا يتوقف إلا في الأمور الكبيرة التي تهم مصالح الناس،واجتهد رغم مرضه الأخير في تطوير العمل الصحي بولاية نهر النيل.
أما النافذة الرابعة ففي ارتباطه بولاية نهر النيل التي عمل بها كل عمره المهني، والانتماء الأصيل لحي الداخلة الذي عاش فيه طفلاً صغيراً وشاباً وطبيباً معروفاً .
إن فقد الصديق العزيز الدكتور عبد المنعم بلة ليس فقد وطن ولا فقد ولاية نهر النيل وعطبرة والداخلة ولا فقد أسرة ،إنما فقد قيم تركها الراحل العزيز قوامها المحبة والتسامح والزهد وحب الناس والهدوء العميق والاحترام وتقبل الأخرين والتدين العميق والتواضع، حتى تظن أن الدكتور عبد المنعم بله شخصاً عادياً دون انجازات إن سمعته يتحدث مع البسطاء الذين يحبهم سواء في المستشفى أو سوق الداخلة أو في الزاوية .
لا شك أن هذه اللحظات التي تشهد تشيع الجثمان ستكون قاسية وحزينة ،ونحن من على البعد نغرق في لج الموقف الصعب ونعيش ألم الفقد والفراق والموت.
رحمك الله أيها الطبيب النبيل الصديق العزيز الدكتور عبد المنعم بلة حاج حمد

زر الذهاب إلى الأعلى