ليبيا والـ(BHL)

بقلم: إدريس هاني
أستمدّ من عبارة للورد كرومر وهو يعاتب المشارقة عن مدى ميلهم للفرنسيين بدل الإنجليز، مع أنّ كلَّ ما لدى الفرنسيين هو مجرد أدوار يقومون بها، بينما صانع الحدث هو البريطاني.
وهنا يضع مقارنة بين المربية البريطانية الصلبة والكاعب الفرنسية المثيرة. وعلى هذا الأساس بَنَيْتُ فرضيةً سرعان ما تحولت عندي إلى حقيقة، بفعل المعطيات والقرائن الوافرة حول برنار هنري ليفي، الذي قَبٍل بالدور ، وواصل رقصة البالي في مسرح الربيع العربي. كنت أرى فعالية السيناتور جان ماكين أكثر نفاذا وعملية، بينما مُنح برنار هنري ليفي مواصلة الفرجة.
الميل الذي عبر عنه كرومر، وجدته بشكل غريب في مواقف بعض مفكري النّهضة، عند السيد جمال الدين وجرجي زيدان وصولا إلى كرد عليّ، إنّها المفاضلة المضللة التي أقاموها بين الاحتلالين، لكن هل أدركوا فرانز فانون؟ وربما قبل ذلك وقع غوستاف لوبون في المعرة نفسها. لكن، وجب التّأكيد على أنّ الربيع العربي كشف عن أكذوبة المثقف المخاتل، عن عُصاب الميز العنصري والشعور بالوصاية على إقليم، كلّ ما فيه من إعاقة هو ناتج عن فشل الولادة الطبيعية لخياره المستقل.
في ليبيا، صال وجال اليربوع(BHL)، وطبعا نتيجة الغباء الذي رافق من حلموا بالنوم واليقظة، بأنّ ركوب موجات التغيير الجيوستراتيجي، هي نزهة، وأنّ الإمبريالية تأبّطت ملف استقالتها، وهي اليوم في نقاهة. منح برنار هنري ليفي للخراب صكّا فلسفيا، وهو هنا يحاول تقليد أدوار ميشيل فوكو أو لعله ظنّ أنه ينسخ جنحته السياسية القديمة، عندما واجه ميشيل فوكو موجة عارمة من نقاده بسبب تغطيته لأحداث الثورة الإيرانية وتعاطفه معها.
هنا في ليبيا، أظهر ليفي حشريته في تفاصيل الشّأن الليبي. ولكنه كما ذكر في مذكراته بأنّ ما كان يزعجه هو كلام بعض رفاقه من المقاتلة، بأن العقيد معمر من أصول يهودية. كانت هذه العبارة الرائجة يومها على أفواه المقاتلة، تثير حنقا لدى ليفي، ليس لأنّها عارية عن حقيقتها، بل لأنها تحمل في نظر ليفي موقفا من التطبيع.
وهبْ أنّ هذا متوقّع من ليفي نظرا، ليس لأنّه يهودي، بل لأنّه يؤمن بمشروع هيرتزل، وهو لا يخفي أنّه كان بصدد تقديمه خدمة للغرب. يقول قبل أن يفتح الحديث عن بنغازي: “إنه درس شالوم بن يعقوب، والد أمي الذي يهجع في حرف اسمي. وصلت إلى بنغازي عصرا، وأنا متعب لكنني سعيد”.
حمل ليفي معه شعورا عميقا بالعنصرية التي تحيل على استشراق قديم، إلى جوبينو ، إلى شعور غرائبي من المختلف، انظر إليه وهو يقول: ” ثم إن شيئا يصدمني عند الليبيين جميعا، غرابة أجسادهم”. هو حكم مطلق، عليهم جميعهم بلا استثناء، وأيضا هو شيء صادم وليس فقط مختلفا، بل يؤكد أنه يعني الأجساد وليس الألبسة: ” لا أقول الألبسة(…)، أقول الأجساد حقّا”.
قدّم ليفي نفسه فيلسوفا لا ممثلا لجهة ما، وخاطبهم بأنه مثلهم هو ابن قبيلة قديمة، لكنه اليوم فرنسيّ، ينقل لهم تحية الشعب الفرنسي ورئيسه دون أن يسميه، لكن الجمهور كما يروي نادى من ورائه: ساركوزي، ساركوزي…
لا أدري أن ليفي يملك أن يزور بنغازي اليوم، فهو استغل مشاعر متضاربة وعُصاب ثوروية عُشرية الربيع العربي، وبدأ يحاول عبر نشاطه المسرحي أن يفرض وصاية على مصير شعب عمر المختار.
تؤرّخ العشرية السابقة لفترة شديدة الإلتباس، لا شيء كان “أصيلا” بمعنى “آرشي”، شيء قابل للرسوخ في أرض المفاهيم، يصعب الحديث عن التاريخ والثورة والقيادة والسياسة في زمن سيلان(إن شئنا التعبير على طريقة باومان) المفاهيم، بل تآكلها. لكن التاريخ ظلّ صامدا بمكره الذي أسدل الستار عن آخر مسرحية اليربوع الذي أراد أن يتمثّل دور لورانس العرب.
لفظت ليبيا برنار هنري ليفي، وسيكون من الصعوبة اليوم أن يعيد تقديم مسرحيته التي تآكلت، لأنّ تداخل الأحداث وتعقيدها اليوم، تجاوز التبسيط المسرحي. بقيت ليبيا وانتهى ساركوزي واليربوع.
اليوم، ليبيا في وضعية تقتضي أن لا تُترك للارتجال، عودة فكر الدّولة، وحدها التي تتيح للسياسة أن تولد من رحم الموقف السيادي. لا يمكن لفكر الدّولة أن ينبعث من تورابورا، ولا من سياسة التّدخل والتآمر على بلد عمر المختار. دور المؤسسة، وتعزيز القرار السيادي.
في شهر عسل عُشرية الفوضى، كانت ليبيا لُقمة كما تبدو سائغة للتّدخّل والتمحور الخارجي، في غياب يكاد يكون تامّا للمؤسسة والوعي بالدولة والسيادة. ومن هناك دخل أمثال برنار هنري ليفي وجان ماكين، وتسلّل الخطر في محاولة للدفع بالبلد إلى ذروة الهشاشة السياسية، وتمزيقه إلى تنظيمات مسلحة، ومحاولة تمزيق النسيج الاجتماعي الليبي. هذا التدخل الخارجي ، وتلك الفوضى التي لا زالت تحكم مناطق خارج منطق الدولة والسيادة وتستقوي بالتنظيمات بدل القوات المسلحة، جعل من كل ما يحدث اليوم أمرا متوقّعا، لا توجد سيطرة على وحدة القرار والموقف.
أمام تقويض أولويات المجتمع الليبي، وخلط الأوراق، سيكون الأوان قد آن لإنقاذ القرار الليبي والدفع بعملية الانتقال السياسي وبناء الدولة الليبية على أصول الحوار الوطني والمصالح الوطنية والسيادة الليبية.


