رأي
منصة

أشرف إبراهيم
لعنة النفط وسيطرة الشركات العابرة
- لم يستفد جنوب السودان كثيراً من النفط الذي تحول من نعمة إلى نغمة وذلك لأسباب عديدة من بينها الصراعات الداخلية والحروب والتلوث البيئي والأخطر سيطرة الشركات الصينية بنسبة أكبر على مورد النفط في هذا البلد الناشئ والفقير رغم توافر النفط.
- الحقول النفطية لدولة جنوب السودان الذي يتجول في غومري يرى بقع سوداء وحفر مياه وتربة ملوثة بالكيماويات ، فيما الرائحة النفاذة من حاويات الشحن المكدسة بتلك المواد تفوح في المكان. ولأن التلوث البيئي معتاد في البلد الأفريقي الذي سُجِّل كسابع أعلى معدل الوفيات المرتبطة بالتلوث البيئي في العالم، حسب ما أكّده “التحالف الدولي للصحة والتلوث” فإن خطورة الوضع في إحداث مشكلات صحية خطيرة تجعل إحتمالية خطره قائمة.
- المشهد هذا مألوف لسكان المنطقة،و يُظهِر المأساة الحقيقة التي يعيش بها الجنوب السوداني بسبب التلوث البيئي الذي خلّفه عمل الشركات النفطية لحكومات الصين التي تمتلك حصص أغلبية في ثلاثة تحالفات النفط في جنوب السودان،
- مأساة الجنوب السوداني مع عمل الشركات الصينية التي تملك حصة الأسد، ليست مقتصرة على التلوث البيئي الذي يدور في حلقة مفرغة من الإهمال بين الحكومة العاجزة عن فرض قوانينها البيئية وتلك الشركات، لكن واقع الوجود الصيني في هذه الدولة الأصغر على مستوى العالم يتخطى حدود التلوث البيئي إلى كون بكين التي وسّعت علاقاتها مع جنوب السودان بعد انفصاله تعمل من أجل الكسب من كل شيء، فهي استخدمت الجنوب السوداني كحالة لقياس قدراتها في الصراع المسلح في منطقة ذات جغرافية قاسية كأفريقيا التي تُعَدُّ مركزا تنافسياً لقوات عسكرية دولية الأخرى، ولم تتوانى عن التواطؤ في الحرب الأهلية وتزويد الجماعات المقاتلة بالأسلحة، وهي تُصِرُّ لآخر رمق على الاستفادة القصوى من سوق ثالث أكبر احتياطي نفطي في القارة السمراء حسب تقارير عالمية تحدثت في هذا الصدد.
- حسب المعلومات التي وفرتها عدد من المراكز البحثية في واحدة من أقوى العلاقات لها بالدول الأفريقية، أسّست بكين لعلاقاتها الرسمية مع الخرطوم في العام 1959، آنذاك افتتحت بكين سفارتها في العاصمة السودانية التي اعترفت بالحكومة الصينية التي كانت مثلها حديثة العهد بالاستقلال، ورغم تلك الخطوة المهمة فإن الخرطوم التي توجّست من الدول الشيوعية قاطبة احترست من تخطي علاقة التبادل الدبلوماسي مع الصين حتى العام 1970 حين أرسلت سفيرا لها يقيم في الصين.
* فيما يخص العلاقات الاقتصادية التاريخية بين البلدين، يمكن القول إن العام 1962 سجّل بداية تلك العلاقات، ففيه وقّع البلدان أول بروتوكول للتبادل التجاري، مما مهّد لإقامة مشروعات عديدة في مجالات البنى التحتية في قطاعات البترول، والكهرباء، والمعادن، والطرق والجسور، وما إن حلّت التسعينيات حتى كانت الصين الشريك التجاري الرئيس للسودان، يستثمر الصينيون مليارات الدولارات في قطاع النفط السوداني، ليصل هذا الاستثمار إلى قمته في عام 1995 حين دخلت بكين كشريك رئيس في مجال النفط، فتدفّقت في هذا العام أول كمية من النفط من آبار هجليج السودانية، ولتتحوّل الشركة الوطنية الصينية للنفط بفضل النفط السوداني إلى شركة عالمية، وفي المجمل ركّزت الصين خلال اندلاع الحرب الأهلية السودانية الثانية (1983-2005) على تطوير حقول النفط السودانية، فوضعت من خلال شركة البترول الوطنية الصينية التي تملك حكومة بكين حصة 41% منها المعدات للاستثمار في الصناعات البترولية، فتصبح تلك الشركة -قبيل انفصال جنوب السودان عام 2005- أكبر مساهم في سوق النفط السوداني بنحو 47%، فيما وصل الاستيراد الصيني إلى 64% من نفط السودان.
*قبل انفصال الجنوب وذهاب نفطه، استبقت بكين توقيع اتفاق وقف الحرب الأهلية السودانية الثانية عام 2005 التي أعلنت انفصال الجنوب سلمياً عن الشمال، فقررت مؤسسة البترول الوطنية الصينية إنشاء مكتب لها في جوبا التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الاستقلال عن الحكومة المركزية في الخرطوم وفي جعبتها ثلاثة أرباع الناتج النفطي للسودان. وفي هذا الوقت كانت كرة العلاقات الاقتصادية بين السودان والصين تتدحرج إلى الوراء، بسبب عجز الخرطوم عن سداد الديون الصينية المستحقة المُقدَّرة بما بين 6-8 مليارات دولار. - وبعدما وضعت الحرب الأهلية السودانية الثانية أوزارها بتوقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005 الذي أفضى إلى استعادة الحكم الذاتي في الجنوب وإقرار حق تقرير المصير للجنوب بعد ست سنوات من الحكم الذاتي (عام 2011)، كانت بكين جاهزة للمجازفة والدخول قبل غيرها من الدول التي اعتبرت المنطقة خطرة تُهدِّد أي طموحات اقتصادية، وبالفعل وجد الصينيون أنفسهم دون منافس في الجنوب السوداني، فمضوا بسرعة نحو تكثيف الاستثمارات في حقول النفط حتى أضحوا المستثمر الرئيس في معظم حقول النفط بالجنوب المستقل الذي يملك 3.5 مليار من النفط الخام في الاحتياط المؤكد، فيما
تُخفي أراضيه حسب علماء الجيولوجيا المزيد من النفط غير المكتشف، كما ألقت بكين بثقلها الاستثماري في مجالات مختلفة الأنشطة، لتصبح بين 100 إلى 140 مؤسسة صينية تعمل في الجنوب، أهمها الشركة الوطنية للبترول التي تعمل في مجال القطاع النفطي.
- مع حلول عام 2011، كانت بكين قد تربّعت على عرش مستثمري النفط في أرض جنوب السودان حتى غنمت الكثير في العامين التاليين لإعلان دولة جنوب السودان، و حاصرها القتال الداخلي مرة أخرى، فقد اندلعت الحرب الأهلية على أراضي الدولة الحديثة في ديسمبر من العام 2013، إثر انقلاب أشعل حربا أهلية بين أنصار الرئيس سلفا كير وخصمه ريك مشار، واستمرت هذه الحرب التي أدّت إلى مقتل أكثر من 400 ألف وتشريد الملايين وتجويع أكثر من 5 ملايين حتى العام 2018 حين نجح المجتمع الدولي بإجبار طرفي الصراع على التوقف عن القتال.
- خلال الحرب، تجاوز دور الشركات الصينية العمل في التنقيب وإنتاج النفط السوداني، إذ شاركت بكين على مدار خمس سنوات من عمر الصراع في الجنوب في نشاطات أدّت إلى تدمير هذا البلد.
- الصراع حول النفط والموارد وجشع الشركات الصينية أدى في حقيقة الأمر للكثير من الخسائر في دولة الجنوب والعديد من الدول الافريقية وهو صراع من نوع مختلف أشبه بالاستعمار الإقتصادي ولكن ظاهره إستثماري ويخفي العديد من المخططات.
نواصل


