إنهيار الجنيه السوداني ، والدولة عاجزة تماماً وتكتفي بالمشاهدة

همس الحروف
د. الباقر عبد القيوم علي
التراجع المريع للجنيه السوداني أمام الدولار والعملات الأجنبية تجاوز حدود السكوت عنه ، لإنه أصبح واقع يومي يطرق أبواب كل أفراد الشعب بلا رحمة. ففي كل مرة يهبط فيها سعره ، ترتفع أسعار السلع والخدمات ، وتتآكل القدرة الشرائية للشعب ، بينما يجد المواطن نفسه وحيداً في مواجهة أعباء لم يكن سبباً فيها ، ولا يعلم لها سبب .
إن أخطر ما في أزمة إنحدار الجنيه السوداني هو غياب الرؤية الواضحة والحلول المقنعة ، وغياب الشفافية ، فالأزمات في كل مكان في العالم يتوقع حدوثها ، ولكن ما يميز غيرنا عن دولتنا هو سرعة الإستجابة والسعي في حلول توازي حجم المشكلة ، ونجد عندهم وضوح الخطط ، بالإضافة إلى قدرة مؤسساتهم على طمأنة المواطنين ، أما في السودان يغيب التفسير المقنع ، وتختفي المعالجات الجادة ، وينزوي المسؤولون مما يدخل القلق الذي يتحول لاحقاً إلى فقدان الثقة ، وتُفاقم المشكلة التي تتحول بعد ذلك إلى أزمة إقتصادية .
فمن حق أي مواطن أن يتساءل لماذا وصل الجنيه إلى هذا المنحدر الخطير ، أين الخطط الاقتصادية التي يتحدثون عنها ، ولماذا لا يرى المواطن نتائج ملموسة على أرض الواقع ؟ .
قد يطرح المبررون الحرب كسبب رئيسي لما يحدث ، ولا شك أن الحروب تعبث بالاقتصاد وتستنزف الموارد ، ولكن ذلك لا يعفي الجهات المسؤولة من واجب حسن الإدارة والتخطيط ، والمقدرة على إدارة الأزمات ، فمبرراتهم بالنسبة لنا سمجة ، والصمت الرسمي الذي نراه مخجل ، الإنزواء الذي نشاهده سنعتبره مقصود ، فإذا كانت الحرب هي السبب في بعض المشكلات ، فمن حقنا أن نسأل أين الموارد الوطنية ، وفي مقدمتها الذهب وغيره من الثروات والصادرات التي كان يفترض أن تسهم في دعم الإقتصاد ، وتخفيف حدة الضغوط على العملة الوطنية .
إن إستمرار هذا التدهور بدون معالجة حقيقية يهدد مستقبل الدولة وإستقرار الشعب ، فأمن المواطن ومعيشته وكرامته وقدرته على توفير إحتياجات أسرته في مقدمة الاولويات ، وكل تأخير في اتخاذ القرارات الصعبة والإصلاحات المطلوبة يعني إتساع رقعة المعاناة وتعميق الأزمة .
المطلوب من قيادة الدولة برنامج واضح وشفاف يحدد المشكلات ، والحلول ، والمسؤوليات ، والنتائج المتوقعة ، وأن يكون الشعب في الصورة ، ومصارحتة بحقيقة الأوضاع ، فلا بد من زراعة الثقة بالصدق ، والعمل ، والشفافية .
أما إذا عجزت الحكومة عن تقديم الحلول لإنقاذ الاقتصاد وإنعاشه ، ووقف نزيف الجنية ، فنقول لها لقد إنتهي الزمن المقرر ، ضعي القلم ثم أجمعي الورق ، فإن المسؤولية الأخلاقية والوطنية تقتضي منها الإعتراف بالفشل وإفساح المجال لمن يمتلك القدرة على إدارة هذه المرحلة ، فالشعب جالس على الجمر ، وهي في موقف المتفرج ، وقد تحمل من الأعباء والمعاناة ما يفوق طاقته ، وأصبح من الواجب اليوم أن تستمع الحكومة إلى صوته بوضوح ، وأن تترجم مطالبه المشروعة إلى سياسات وإجراءات حقيقية على الأرض .
فالوقت لا ينتظر أحد ، وإذا تجاهلت الحكومة إنذارات الخطر ، فلا تلومن إلا نفسها ، لأن الجوع كافر ، والعاقل من اتعظ بغيرة والجاهل من إتعظ بنفسه ، وما أسقط نظام الإنقاذ كان (خبزة واحدة) ، فإستمرار الصمت الرسمي والتردد لن يكون إلا أسرع طريق إلى الهاوية .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.co


