آخر الأخبار

أهل الحبر والصوت

الصادق جادالمولى

‏للصحافيين تواريخهم السرية، ليست تلك المطبوعة في بطاقات العمل؛ أو المعلقة في صدور القاعات، هناك تاريخ آخر أعمق قليلاً وأقل ضجيجاً، يبدأ من رائحة الحبر، ويمر بصوت المذيع عند السابعة، وينتهي غالباً في مقعد خلفي، حيث يجلس الرواد بهدوء كأنهم ضيوف على مهنتهم.

‏مرّت أمس ذكرى سيد أحمد خليفة صاحب «الوطن»، والاسم وحده يكفي في بلد مثل السودان فالناس هناك لا يتعاملون مع كلمة الوطن كمفردة في النشيد الوطني، بقدر ما يحملونها كما يحمل المرء مفتاح بيت قديم مرة في الجيب، وتارةً في القلب، وأخرى في صحيفة.

‏كان سيد أحمد من طينة الصحافيين الذين جاءوا إلى المهنة من طريق الحياة، ومن جاء من طريق الحياة يبقى أرسخ ممن جاء من طريق المكتب، لذا عرف السكة والسفر وعرف الصحافة حين كانت مشياً بين الناس، لا جلوساً أمام الشاشات، ثم أسس «الوطن» بعد الانتفاضة، فاختار للصحيفة اسماً كبيراً، وترك للناس أن يملأوه بأوجاعهم وأخبارهم وخصوماتهم الصغيرة والكبيرة.

‏والصحيفة في يد أستاذنا سيد أحمد لم تكن جداراً يعلق عليه الخبر، ولكن كانت بيتاً فيه مجلس، وفي المجلس مكان للغاضب والمظلوم والمتعب وصاحب القضية، لذلك بقي اسمه قريباً من الذاكرة، بعض الصحافيين يمرون على الجرائد، وبعض الجرائد تمر على الصحافيين، وقليلون جداً من يجعلون من الورق سيرة شخصية للبلد.

‏وفي الرياض قبل أيام قليلة، اجتمع إعلاميو السودان بالسعودية حول الأستاذ معتصم فضل في مناسبة وفاء لرجل إذاعي يعرف السودانيون صوته قبل أن يعرفوا صورته، وهذه ميزة الراديو القديمة، حيث كان يمنح أصحابه مجداً بلا ملامح، يكفي أن يخرج الصوت من الصندوق الخشبي حتى يعرف البيت أن السودان وصل.

‏ومعتصم فضل من زمن كان فيه الميكروفون يستحق الاحترام إذ يقترب منه المذيع كما يقترب من وعد لا آلة، وفي الإذاعة السودانية «هنا أم درمان» كان الصوت جزءاً من الدولة العاطفية للناس تلك التي لا تحتاج إلى حدود، ولا إلى جواز سفر تبدأ من جملة افتتاحية، وتصل إلى قرية بعيدة، وإلى طالب في غربة داخلية، وإلى أم تنتظر نشرة الأخبار وفي قلبها نشرة أخرى.

‏وهنا يلتقي الرجلان سيد أحمد خليفة حمل السودان في صحيفة، ومعتصم فضل حمله في أثير؛ الأول أعطى الكلمة حبرها وجرأتها، والثاني أعطاها نبرتها ووقارها، وبين الاثنين تاريخ كامل لمهنة واحدة مرة تخرج من المطبعة، وفي الثانية من الاستديو، وفي الحالين كان السودان يبحث عن نفسه في مرآة مهنية أكثر نظافة من مرايا السياسة.

‏ورغم أن التكريم في بلادنا كثيراً ما يتأخر؛ ويصل بعد أن تصبح الصورة بالأبيض والأسود، وبعد أن ينهك الكلامُ أهلَه، تبدو مبادرة إعلاميي السودان بالسعودية جميلة في توقيتها قبل معناها، إذ قالت للرجل شكراً وهو يسمع وهذه نعمة نادرة في بلاد تتقن الرثاء أكثر من التحية.
‏ولا غرابة أن يحدث ذلك في الرياض فالمدن البعيدة تصلح أحياناً لترتيب الذاكرة، ففي الوطن تزدحم الوجوه، وتختلط المعارك، ويضيع الوفاء بين موعد وخبر عاجل، ولكن في الغربة يصبح الاسم أكثر صفاءً تنظر إلى معتصم فضل فتسمع أم درمان، وتذكر سيد أحمد فتشم رائحة الصحيفة عند الصباح، ثم تكتشف أن المسافة لم تأخذ الوطن ولكنها هذبته قليلاً، ووضعته في موضعه الصحيح.

‏بين ذكرى رحيل سيد أحمد خليفة وتكريم معتصم فضل درس صغير على طريقة الدروس التي تأتي بلا سبورة، يكمن في أن الإعلام الحقيقي لا يعيش في الأدوات بقدر ما يعيش في الرجال الذين يعطون الأدوات أخلاقها، فمطبعة بلا سيد أحمد مجرد حديد، وميكروفون بلا معتصم مجرد معدن بارد، وفقط هم الرواد الذين يضيفون إلى الأدوات شيئاً من أرواحهم، ثم يذهبون أو يشيخون، وتبقى الأدوات تتباهى بهم.

‏رحم الله سيد أحمد خليفة صاحب «الوطن» التي حملت من اسمها ما حملت، وأطال الله عمر معتصم فضل صاحب الأثير الذي عرف طريقه إلى البيوت، وشكراً لإعلاميي السودان بالسعودية لأنهم أعادوا إلى المهنة عادة قديمة وضرورية وهي أن تنحني تبجيلاً للرجل الحي، قبل أن تذهب باقة الورد إلى الميت.

زر الذهاب إلى الأعلى