حتمية سيوسيديدس

حتمية سيوسيديدس
بقلم :علي عسكوري
في العلوم السياسية وربما العسكرية ايضا حتمية معروفة اسمها حتمية سيوسيديدس
Thucydides inevitabiity
وهي حتمية تقول بعدم امكانية تجب الحرب بالنظر للشواهد والمعطيات المتاحة.
وسيوسيديدس (٤٦٠ – ٣٩٥ ق م) مؤرخ يوناني عرف بقوله بحتمية الحرب البيلوبونيزية (٤٣١ – ٤٠٤ق م) بين اسبرطة واثينا بسبب تخوف الاولى من تنامي القوة الاقتصادية والسياسية لاثينا، وتخوف اسبرطة نتيجة لذلك من سيطرة اثينا على بلاد اليونان بأكملها. وتماشيا مع تلك الحتمية الناتجة من الخوف من السيطرة الاقتصادية يقول كثير من المحللين والمختصين العسكريين حاليا بحتمية الحرب بين امريكا والصين وان الامر مسألة وقت، بل يزعم بعضهم ان الدولتين تعلمان بتلك الحتمية ويستعدان لها كل بطريقته.
قبل حرب المليشيا هذه تنبأ كثيرون بوقوعها بالنظر للشهواد المتاحة ايضا، وبالنظر لتهديدات امبريالية سابقة نساها الناس واعتقدوا ان الزمن قد طواها. قد تغفل وتنسي بعض الشعوب ولكن الامبراطوريات لا تنس ولا تتخل عن مشروعاتها وطموحاتها الامبريالية! نذكر ان اعادة استعمار السودان من المهدية استغرق ثلاثة عشر عاما حسوما فالامبراطورية البريطانية لم تنس مقتل جنرالها ولم تتنازل عن طموحاتها التوسعية في افريقيا وضرورة السيطرة على مجري النيل بعد ان سيطرت على مصر ١٨٨٢ ويوغندا ١٨٩٤م، انما دخلت عوائق كثيرة في تلك الفترة اخرت حملة اعادة الاستعمار، ولكن تخطيط دهاقنة بناة الامبراطورية وتحضيرهم لم يتوقف على الاطلاق حتى اكتمل التحضير وجاء الغزو عام ١٨٩٨م كما هو معروف. وها هو التاريخ – كما نناقش- يعيد نفسه.
بعد الهجوم الارهابي علي برجي التجارة في نيويورك في العام ٢٠٠١م، خرج الرئيس الامريكي جورج بوش الابن (٢٠٠١ – ٢٠٠٩) وقال في تصريحات سارت بها الركبان نجملها في انهم سيلاحقون الارهابين اينما كانوا و سيمارسون الحرب الاستباقية و انهم سيبدأون بافغانستان وبعدها العراق ثم السودان…!
تبع الرئيس قوله بالفعل ولم تتردد امريكا تحت قيادته في شن الحرب على افغانستان واحتلالها ثم تبع ذلك عدوانها المعروف على العراق – باسباب مفبركة – وانهاء نظام الرئيس العراقي صدام حسين واحتلال العراق. كان شن تلك الحروب في زمن رئاسته هى كل ما اسعفه الزمن لشنها قبل ان تنتهي في العام ٢٠٠٩م .
وهكذا بقيت الحرب على السودان مؤجلة الى حين، ولكنها قطعا لم تسقط من الاستراتيجية الامريكية، فرؤساء الامبراطوريات عادة لا يطلقون الحديث عن الحرب على عواهنه، بل هو حديث مؤسسات واستراتيجيات قد تتأخر ولكنها لا تسقط.
ثم جاء عهد الرئيس اوباما الذي كان wild horse بالنسبة للنخبة المسيطرة في امريكا. واذا اخذنا في الاعتبار انه اول رئيس امريكي من اصول افريقية، فقطعا لم يكن ممكنا في عهده ان يشن حربا على دولة افريقية واكتفي بشن الحرب على ليبيا كونها دولة عربية شرق اوسطية اكثر من كونها من افريقيا السوداء كما انه توجب عليه انقاذ ايطاليا التى كانت على وشك الافلاس والانهيار وهى دولة عضو في حلف الناتو وكان انقاذ اقتصادها يقتضي نهب ليبيا وقد كان.
اذن ظلت الحرب على السودان مؤجلة، ولكن كانت مراكز الاستراتيجيات والخبراء منهمكين في عملهم يجهزون الخيارات البديلة للحرب وتوقيتها.
نذكر جميعا ان الاتحاد الاوروبي حتى قبل خروج بريطانيا منه اتفق مع مليشيا الدعم السريع – رغم علمه المسبق بتورطها في جرائم خطيرة – على مساعدته في الحد من الهجرة الى اوروبا. كان ذلك بمثابة قبول مسبق للتعامل مع المليشيا من دول ما فتأت تصك اذاننا بحقوق الانسان والجرائم ضد الانسانية الخ من الاحاجى الكثيرة التى يبيعونها للشعوب خاصة للمجموعات العميلة مثل تقدم. بالطبع لم يتوقف الناس ليسألوا: كيف لدول لاهم لها سوي محاضرة البشرية كل يوم عن حقوق الانسان ان تتفق مع مليشيا مجرمة وتدفع لها الاموال الطائلة؟ انها الميكافيلية في ابهي صورها.
كان الترتيب مع المليشيا حول الهجرة في حقيقته تغطية لفتح خطوط التواصل معها وتشبيك العلاقات والقنوات الخلفية والتحضير لما هو قادم، وان لم تكن المليشيا تعلم ما هو القادم فاوروبا وامريكا دون شك تعلمانه، فعند القوم لا تحدث مثل هذه الخطوات الخطيرة بالصدفة. لقد كانوا يحتاجون الى قوة مقاتلة تقوم بالنيابة عنهم بما يرغبون في القيام به، ووجدوا ضالتهم في المليشيا، ثم بحثوا لها عن ممول ووجدوه في دولة الامارات، وتبعوا ذلك بالانصراف عن ادانة الممول رغم توفر البينات المادية الدامغة، ولكن الموقف التآمرى يقتضي اتخاذ موقف رمادى من الممول بالقدر الذى يرضي مجتمعاتهم داخليا ولكنهم في ذات الوقت يتأكدون ان المؤسسات الدولية كمجلس الامن لن تتخذ موقفا واضحا ضد الممول الذي تستمر مصالحهم معه كما هي.
في اطار التشبيك وبناء الثقة وفتح القنوات؛ طلب من المليشيا المشاركة في حرب عاصفة الحزم. و هل يعتقد احد ان الدول التى شنت حرب عاصفة الحزم واستقدمت لها المليشيا فعلت ذلك دون ضوء اخضر من حارس الكوكب وحلفائه المقربين! افغانستان، العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، كلها حروب خططت منذ سنوات، جاهل من يعتقد انها اندلعت فجأة لصراعات محلية، بل ان ما عرف بالربيع العربي تم التخطيط له في الخارج.
الحرب الحالية في السودان قررت العام ٢٠٠١، وما عرف وقتها بي ” الفوضي الخلاقة creative chaos” وهي ما اعلنته قونزاليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية وقتها، لكن الناس ينسون واعتقد الكثيون ان تلك الكلمات ذرتها الرياح واندثرت ولكنها ليست كذلك.
لأمريكا موجدة قديمة مع السودان نتجت من اكتشاف البترول بواسطة شركة شيفرون ( انظر علاقة غونزاليا رايس بالشركة)، ثم قامت حكومة الانقاذ باستقدام غريمة امريكا الصين ومنحتها حقول البترول، وهو امر صعب علي امريكا هضمه وهكذا ظللت تتربص وتتحين الفرص تعويضا لفريستها التى ذهبت لغريمها.
في السودان ايضا يسيطر الاسلام الراديكالى على السلطة وعلى مفاصل الدولة وهو امر يهدد مصالح الغرب كما انه يشكل مصر تهديد لحلفائه في الاقليم، وبعد هجمات سبتمبر تبنى الغرب بصورة عامة وامريكا بصورة خاصة سياسة استئصال الاسلاميين والقوميين العرب اينما وجدوا. ولذلك فاستئصال الاسلاميين في السودان يشكل هدفا استراتيجيا لهم ولن يتوقفوا حتى يتجزوه. فالامبريالية تبحث دائما عن عدو تقاتله او كنا قال كارل ماركس ان الرأسمالية تعتمد في استراريتها على الحروب. وللامبريالية قدرة فائقة على اختراع الحروب.
جاء التغيير الذى وقع في السودان في ابريل ٢٠١٩م قاصرا ولم يحقق هدفه الاساسي بقطع شافة الاسلامين نهائيا من الحياة السياسية، ولذلك كان من الضرورى العودة للخطة الاساسية باستئصال الاسلاميين عن طريق الحرب. فاعتقاد الغرب بأن الاسلاميين هم من يحكمون السودان حتى بعد ذهاب نظام الانقاذ ثابت.
كان ما عرف بالاتفاق الاطارىء هو آخر محاولات الغرب لتنفيذ اجندته قبل الضغط على الزناد، وكان الاتفاق عبارة عن وصفة استعمارية كاملة الدسم، والقبول بها يعنى تفكيك الجيش وتمكين المليشيا بديلا له (تصريح عرمان ان المليشيا ستكون نواة للجيش الجديد).
ان وجود نظام اسلامى او نظام يرفع شعارات اسلامية في السودان، بجانب انه يشكل مصدر تهديد للقارة والمجتمعات التى يتمدد فيها نفوذ مختلف الكنائس فأنه – وهذا الاهم- لا يسمح او لا يتيح الفرصة الكافية لدمج اقتصاد البلاد في السوق العالمى خاصة وان بالسودان موارد اقتصادية ضخمة ستوفر ملايين الوظائف حول العالم في حالة استغلالها بالصورة المثلي.
حتمية هذه الحرب كان مفروغا منها، فلا نحن عملنا في العقود السابقة للاندماج في اقتصاد العولمة وتهيئة المناخ والبيئة المناسبة للاستثمار في بلادنا، ولا انصرفنا لحالنا (ومدينا رجلنا قدر لحافنا) وتركنا الشعارات التى تضعنا في مواجهة مباشرة مع القوى المهيمنة حاليا. في الحالتين كان موقفنا خاطئا اسئنا فيه تقدير قدراتنا بصورة فاجعة. اى قارىء للتاريخ يمكنه ببساطة استنتاج ان الحرب لا محالة واقعة، اذ لا يمكن ان تمدد سبابتك في وجه قوى مهيمنة وتهدد مصالحها الاستراتيجية وتتوقع ان تتركك تذهب لحالك.
سعينا منذ العام ١٩٨٣ للصدام مع العالم غير عابئين بتبعات افعالنا داخليا وقد كانت هذه الحرب هي الحصاد.
قبل ان نتحاور كسودانيين، علينا اولا ان نحدد موقعنا من العالم بالقدر الذي يجنبنا شرور الطامعين والمتربصين، ويخطىء من يعتقد ان العالم او الامبريالية ستتركنا لحالنا لنفعل في دولتنا ومجتمعنا ما يروق لنا. هذه سذاجة سياسية يجب كشطها من مفاهيمنا السياسية. والسياسة هي فن الممكن وما حاولنا فعله في العقود الماضية لم يكن ممكنا وقد كلف مجتمعنا رهقا.
هنالك حوجة ماسة لاعادة التفكير الاستراتيجي لعلاقتنا بالعالم، فهذه المؤامرة لن تتوقف على هذه المليشيا فبلادنا مفتوحة ومكشوفة و بنيانها وتماسك محتمعاتها هش وقابل للتفكيك.
لا شك اننا نحتاج للخروج من كل الافكار التى سادت الساحة السياسية بعد الاستقلال، لنبحث عن فكرة ورؤية جديدة تكفينا شر الاستهداف وتتيح لنا فرصة للتعايش مع العالم بعيدا عن الايدولوجيات والشطط الذي اورد مجتمعنا المهالك.
هذه الارض لنا


