في بقعةٍ تُسَمَّیٰ بابنوسة !!

في بقعةٍ تُسَمَّیٰ بابنوسة !!
بقلم : محجوب فضل بدري
لم يكن الذين سبقوا أستاذ الأجيال المرحوم عبد الرحمن علی طه،(أول وزير للمعارف بعد الإستقلال،وزارة التربية والتعليم فی مابعد) قد تطرقوا فی مناهج الجغرافيا لمنطقة بابنوسة حتیٰ ورد ذكرها فی القصيدة الراٸعة التی كانت تتضمن (سبل كسب العيش فی السودان) من نظم المربی الكبير عبدالرحمن علی طه،والتی يقول مطلعها :- (فی القولد إلتقيت بالصدِّيقِ) ويُطوِّف بارجاء السودان حيث له ولنا من بعده صديق فی كل قرية،وجریٰ ذكر بابنوسة التی تصدرت المنصات الإعلامية فقال رحمه الله:-
-ومرةً بارحت دار اهـلى٠
-لكي أزور صاحبى ابن الفضل٠
-ألفيته وأهله قد رحلـوا٠
-من كيلكٍ وفى *الفضـاء* نزلوا٠
-فى بقعة تسمى *بابنوسـة* ٠
-حيث اتقوا ذبابة تعيســــة٠
إذ لم تكن بابنوسة سویٰ بقعة (فضاء خالية) يحط لها الرُحَّل إتقاءً لذبابة التسی تسی التی تفتك بالأبقار فی موسم الخريف، وتسبب مرض النوم للبشر،إذاً فبابنوسة كانت،وأظنها لاتزال، تتمتع بجوٍ صحیٍ خالٍ من الآفات والأوبٸة٠
-ووصل خط السكة الحديد *راس السكة* إلیٰ بابنوسة عند الكيلو ١٧٦٠ من ميناء بورتسودان،او الكيلو ٧٨٥ من العاصمة الخرطوم،ويقع تقاطع خط الخرطوم بابنوسة عند محطة عرديبة عند الكيلو ١٤٠٥ من بورتسودان علی بعد عشرة كيلومترات من محطة الرهد (ابو دكنة) وعلی بعد ستين كيلومتراً من محطة الابيض(أبٔ قَبَّة فحل الديوم) ويمر الخط من عرديبة بمحطات ام سرير، شيكان، البركة، الحمَّادی ،دبيبات ، جبل الفنقر ،جبل ضروس ، ابوقَلِب ، *ابوزبد* ، دُواس ، دقَّاق ، أبوكوع ،جبل البيجا ، البوبويا ، *رِجلَ الفولة* ، وادی الغَلَّة ،صَمُّوعة ، بوطة، *بابنوسة* ٠ ومنها الی نيالا عند الكيلو ٢١٠٥ ،من بورتسودان، فی عشرين محطة تتوسطها الضعين،وبابنوسة نفسها محطة لتقاطع خط الجنوب حتی واو٠
-وفی بابنوسة كانت أكبر محطة لخط الغرب قبل ان تصير رٸاسة للإقليم الغربی للسكة الحديد بعد التقسيم الإداری،ولم تكن هناك منشآت معتبرة الی جانب محطة السكة الحديد سویٰ مصنع منتجات الألبان الذی وضع حجر أساسه الفريق إبراهيم باشا عبود رٸيس المجلس الأعلیٰ للقوات المسلحة راٸد التنمية والإعمار، الذی أطاحت بحقبته الزاهرة ثورة إكتوبر ١٩٦٤م !!
-كان أعلیٰ منصب فی السكة الحديد هو منصب مأمور الإدارة،بجانب مهندس الهندسة،ومهندس الورشة،وهی فروع السكة الحديد الثلاثة،ونقطة بوليس السكة،وعليها النقيب شرطة إبراهيم عثمان والذی توفی غرقاً ببركة مياه بمنطقة كجيرة الساحرة حيث كان فی رحلة جماعية،رحمه الله فقد كانت حادثة غرقه مفارقة مدهشة،فالمرحوم من دنقلا،ويجيد السباحة،لكن البحر بيشيل عوامو٠
-وكان نادی السكة الحديد هو مكان الترفيه الوحيد بالمدينة الناشٸة،وإن كان هناك نادی مصنع الألبان،ويٶمه الروس العاملين فی المصنع،وبه سينما يقدمون من خلالها أفلاما ناطقة باللغة الروسية،وكذلك يقيمون مركزاّ لتعليم اللغة الروسية ،التی لم يُحسن روادها من تلك الدروس سویٰ كلمة Спасибо *خراشو* أی شكراً،لكن أثر الروس كان ظاهراً فی المجال الدعاٸی،حيث إحتفلت بابنوسة بالذكری المٸوية لميلاد (الرفيق فلادمير إليتش لينين) ساعدهم فی ذلك عدد كبير من منسوبی السكة الحديد الشيوعيين الذين كانت بابنوسة بمثابة سيبريا،ينقلون إليها تعسفاً،حتی صاروا كُتلة كبيرة٠
-وكان فی بابنوسة من منازل السكة الحديد المشيدة بالطوب الأحمر ثلاثة مستويات البيوت الكبيرة ثلاث غرف three rooms،يشغلها كبار الموظفين والبيوت المتوسطة غرفتان double room، ويشغلها اصحاب الوظاٸف الوسيطة، ومنازل من غرفةواحدة Single room،للعمال، ثم إجترحت السكة الحديد منازلاً مشيدة من الفلنكات القديمة،كونت حيَّاً كاملاً، اسمه الفلنكة sleeper ،وكانت بيوت مصنع الألبان مشيدة بالبلوك(الطوب الأسمنتی) وكذلك بعض بيوت التجار،وشيَّدت السكة الحديد مسجداّ يتسع لخمسماٸة مصلٍّ،بالطوب الأحمر،وكان تصميمه بلا أعمدة بالداخل إذ يعتمد السقف علی هيكل حديدی عملاق،وارتفعت أول مٸذنة فی سماء بابنوسة من مسجد السكة الحديد وكان خطيب المسجد هو الشيخ أحمد حميدی،وهو رجل أزهری يرتدی القفطان والحزام والعمامة الأزهرية الصغيرة،فی حين كان مسجد السوق وهو الأقدم مبنی من القش، وإمامه الشيخ الفاضل أحمد العدوی،وكان فی بابنوسة شفخانة وأقرب مستشفی فی رجل الفولةوهو مستشفیً ريفی،فالمستشفی الكبير فی الابيض، ولم تكن هناك سيارة إسعاف،وكان اتومبيل السكة الحديد بمثابة الإسعاف،ويسمی الاتومبيل شيطان قطع حبله لسرعته التی لاتقارن بالقطار التی قد تبلغ اربعين كيلومتر فی الساعة٠
-كان الخضار يُجلب بالقطار من نيالا،و كبار تجار السوق هم محمد ود الرهد،وعبداللطيف عبد الرحمن،وعبد الرحمن البقاری،وعبدالله ود العيلة، وقامت دار للسينما سماها شيخ الحميدی (السوء نما) وشيدت السكة الحديد دار للرياضة سوره من الفلنكة،لتقام عليه مباريات كرة القدم وغالباً ما تنحصر المنافسة بين السكة الحديد والمصنع،ومن احياء بابنوسة بجانب بيوت السكة الحديد،وبيوت المصنع فريق الغُبيش،وذلك لان اسوار منازله من شجر الغبيش،وفريق القبة قبة ابو اسماعيل ،وفريق الفلنكة،وفريق السوق،ثمَّ إضمحل عمل مصنع الألبان بسبب شح الوارد من الألبان بعدما شرع فی انتاج لبن البودرة ماركة *لبنوسة* وكان منتجاً ممتازاً،عالی الدسم،لكن المصنع تحوًّل بعدها لتجفيف الصمغ والكركدی بعد تعديله،وما لبث ان توقف كلياً٠
-كانت بابنوسة تعيش علی حركة قطارات الركاب مرتين فی الاسبوع، قطار المشترك ٢٧/ الخرطوم نيالا،وقطار المشترك ٢٨/ نيالا الخرطوم ،وقطار المشترك ٢٩ الخرطوم واو، وقطار المشترك ٣٠ واو الخرطوم مرتين فی الاسبوع،ثم تغير لأسباب إقتصادية ليبدا من بابنوسة بدلاً من الخرطوم الی واو وبالعكس،وكان قطار واو يتوقف فی منتصف المسافة بين بابنوسة ومحطة بشمة التی تقع فی منتصف المسافة بين بابنوسة والمجلد عند معسكر الجيش ليرفع قوات الحراسة قبل اتفاقية اديس اببا ،وبعدها لم يكن الجيش يرافق القطارات فقد صار التأمين كله عند شرطة السكة الحديد ١٧ فرد فی كل محطة،،انتعشت بابنوسة أكثر فأكثر بدخول شركة شيفرون للتنقيب عن البترول،ومعها الشركات المساعدة،وقبلها شركات حفر الآبار الجوفية مثال شركة جيوتهنكا اليوغسلافية إبَّان حملة مكافحة العطش، فی حقبة مايو،،،
(نواصل)


