وحياة ابتسامتك

وحياة ابتسامتك
بقلم :محمد المرتضى حامد
القَسَم العجيب.
هاتفني صديق حبيب وزميل دراسة من أرقى أنواع البشر الذين تثرثر معهم في صمت بكل اللغات المعتمدة بينكما. زول لو ابتسمت لموقف سيعرف منشأ تلك الإبتسامة. النوع الحافظ أرشيفك في وحدة ميكروفيلم تسكن الخاطر وتتسع حتى لطعم ورائحة تاريخ ما بينكما من أمكنة وذكريات وأزمنة وسيرة ما حولكما من كائنات، (سَجيلك) كما يقول أهلنا البقارة. زول، بعكس قوانين الفيزياء والهندسه الفراغية وهذيان أرخميدس والإزاحة، يضيق المكان بغيابه، وخارج خرافة الجاذبية وتفاحة نيوتن، يرتقي بالصعود والهبوط معا.
كان يعود منها ليحكيني بعض ما دار بينهما وعلى محياه أسارير وقسمات قيس وهو عائد من ديار العامرية، كان يحكي ما جرى بنشوة ليشركني السعادة على الموجة القصيرة، أصلو في حاجات لا تكتمل متعتها إلا بمشاركة جماهيرية حاشدة كالسينما والمسرح والرياضة وحكاوي الريده، مشاعية العواطف، عشان كدا زول ود اللمين داك لامن فاض بيهو وقف وسط البلد وهتف بريييييدك يا صباح عمري، وتلك حاله تعتري صاحبها أحيانا بسبب زيادة الحمولة على الفؤاد المن بدري انهرى والتي قد تتسبب في صهر خطوط الضغط العالي والأبهر.
كشاهد على تلك الإبتسامة والقَسَم، راقبت يوم اللقاء الأول، الجامعة سبب الشقا، ولشفافيته وجمال روحه، وبقراءة (ما كنت رايق وساكن في صفا وتأمين) عرفت أن حياته لن تعود كما كانت.
في الواقع تعمَّد أن يلتقيها (مصادفة) فابتَسمَت له، تآنسا والجو صِفا، وببراءة أيام الجامعة الأولى وبساطة بنت عشرين سألته صاحبتنا: بتحب تستمع لمنو؟ وعلى ذات الذبذبة أجابها: أنتِ. صمتت لثوانٍ في خجل موروث يعطِّل ملاحة الطير في السماء، ساد سكون يحمل كل ضجيج الدنيا، صمتٌ إعصاري خلَّف فوضى في البدن وتسرب أدرينالين الشباب بجزالة إلى العروق. أضافت: قصدي من الفنانين، وتلقت نفس الإجابة، أنتِ..!، نطقها بسلم خماسي مبين، لكنه درءا للحرج الذي غلّف المكان أضاف: أبواللمين.
عيال مدني عجيبين..
في اليوم التالي أهدته شريط كاسيت للباشكاتب، يا سلام على أيام قرطبة والكاسيت.. كانت أغنية الإفتتاح (لقاء وعهد) لشاعرها محمد علي جباره والتي عرفت بين كائنات المجموعة الشمسية ب (وحياة ابتسامتك). يوم الهدية قام بنسخ الكاسيت واحتفظ بالأصل في حته ملاصقة للشريان التاجي، في موضع يُحَس ولا يُرى، ومن يومها ليله دون الناس كلو آهات.. قال: لا أنام إلا بعدما أرتل (هاك عهدي يا حبيبي، هات إيديك)، نعم، ماقنا كارتا العاشقين.
الكاسيت كان بمثابة محل للزهور الطبيعية للمحبين وبأسعار في متناول الصادقين، تشيل منه ما يناسب كل المواسم والمناسبات، يذكرني بمشتل بمدينة المهندسين يسمى (مشاتل الأحباب) قبل أن يستحيل الحي مهبطا لدانات الردى، فيه ورود تصطفي منها ما يناسب الفؤاد وفقا لرسمه البياني ومدى لطف أو دقة الحالة التي يمر بها وما إذا كان ثمة انسداد يتطلب قسطرة ب (عويناتك) أو زيارة من الحبيب في مرضك ينحني أثناءها ليهمس في أذنك (ياخي بعد الشر عليك)..
لا حول ولا قوة إلا بالله.
العبارة دي لامن تُبث بالصوت إياه، فيها شفاء لا يغادر سقما.
آمين..
قال لي، غنا الباشكاتب دا عبارة عن دفتر يومية أحوال للمحبين، هل تصدق حصل بيني وبينها (قاب) بسبب زعلة لكن الله كريم ياخ، رجعنا بعد أيام أحسبها كالعصر الطباشيري، تزامن ذلك مع انفجار نبع فيه مغتسل بارد وشراب يسمى (زاد الشجون)، طوالي غرفت منه (من بعد فرقتنا ديك مين كان بيفتكرك تعود، مين كان!!)..
مدد يا ولد..
في وقتها، ال (قاب) داك لهلب الوله كألسنة الشمس، وانت عارف لامن تنفصل عن شخص تحبه كيف يزداد حبك له بما يعرف في علم النفس بجاذبية الإحباط..
دنيا زايلي ونعيمكي زايل.
تلتها (عويناتك) التي حسم بها الراحل مبارك بشير كل الجدل الدائر حول ما تمثله عينا المعشوق، أغنية مجيدة تبحر بك في ترع لولي وبحار ياقوت، قادرين تتخيلوا؟ مرايا تطالعها فتضع أمامك تقريرا وافيا عن حالك وبموجبه تلملم شظايا ما تَكسَّر من روحك، شاشه كدا تشوف فيها شخصك والمعشوق وموقعك بأبعاد لا نهائية، فوفقا لفقه الحب (إذا لم تجد ذاتك منعكسة على مرآة المحبوب، فهو ليس المحبوب).
تلك الغناوي وما يصاحبها من مشاعر يحسها ويعرفها فقط من تعرضوا لتجربة الإقتراب من الموت NDE أو ناس الإسقاط النجمي عند خروجهم من أجسادهم إلى نفق يفضي بهم إلى ضوء مبهر وخضرة بهية وحالة يغمرك فيها حب وسلام يتعذر وصفه، والمريود إلى جوارك مرشد مبلل بالتقوى وبالمطر بشهادة ودالمكي… هناك لا تحتاج إلى الكلام، تحس وتفهم بس، تفكر في الدايرو تلقاهو معاك حتى لو سبقك شوقك قبل العينين، مش حاجه تحيِّر؟ حقيقة، العشق والوعي لا يتواجدا في العقل ولا الجهاز العصبي المركزي أو الطرفي، بل خارجنا تماما، في آي كلاود إلهي نستدعيه متى شئنا ليفرحنا.
أحد خؤولتي كان كثير التسفار، يحتفظ بشريط كاسيت به أغنية (الحب والظروف) يلازمه كجواز السفر، فالرفقة السمحة برضو ممكن تكون كاسيت أو كتاب أو إنسان رقيق ونّاس. حكى لي أن فضل الله محمد بقصيدته تلك أوعز، بأثر رجعي، لأمثال إنشتاين بالنسبية عندما خاطب المعشوق قائلا: الغريبه الساعه جنبك تبدو أقصر من دقيقة، فأصبحت حقيقة فيزيائية كلكم جربتوها. تقعد معاها الساعه ٧ وفي ثواني تجيك الساعه 11، معقوله بس؟ وأنا ما زلت في الصفحة الأولى؟ إنه التجسيد العملي ل (البُرهة القليله).
هسه (قلبي عاشق ودربي خالي من حبيب) دي مش زي أذكار المساء، أليس ذلك أفق لم يحلق فيه متصوف وسدرة منتهى يستظل تحتها مولاي الرومي والتبريزي.
بعد انتقال الباشكاتب واسينا بعضنا بأنه ورفاقه من حداة قوافل السعادة وفلاسفة الإمتاع، إتفقنا أنهم لم يرحلوا لننعيهم، فنحن ندرك أنهم فقط سبقونا في الطريق لا غير، ولإدراكنا أن الموت مجرد نقلة وانعتاق للروح من إسار الجسد إلى مستوى آخر سنلتقيهم فيه، فالمنتقل يرحل جسدا ولكن، كما في نظرية (لانزا)، تتحول روحه ونفسه وإبداعاته وعشقه إلي طاقة تتجه إلي الخارج فيما يعرف بالمركزية الحيوية، بس نحن كنا محتاجين نكون في صالة المغادرة لوداعهم مؤقتا، أو كما قال صديقنا السفير جمال محمد إبراهيم:
أيها الراحل، ليتك تسمعني، فأجمل الكلام إليك لم أقله بعد.. أجمل العبارات لم أودعك بها بعد..
قال لي: الحرب أضاعت الكاسيت والدار ورحل الباشكاتب وتلاشت ابتسامة حسنائي التي أقسم بها.
بعدها بأيام لحقهم صديقي، مثلهم رحل غريبا.
أيها الحبيب، كيف حالك والباشكاتب هناك، لعله سعيد في خمائل البرزخ مؤانسا إياك وفضل الله محمد ووردي والعميد وكابلي وصلاح وبادي وزيدان وبقية الصالحين متكئين على الأرائك بعدما فرغوا من بروفة إنشاد سماوي في الفردوس.
الأولياء العلمونا كيف نعشق سرا وجهرا، السمحين الذين زرعوا دأبا لهذا الشعب فأورثوه صوامع جمال وغلال ظل يقتات عليها لألف عام وما فتئ.
–
قيل: الحب هو كل ما نحتاج لنشعر بالإكتمال، والحرب مجزرة تدور بين أناس لايعرفون بعضهم البعض لأجل آخرين يعرفون بعضهم البعض …
ولا يقتلون بعضهم البعض.


