الدولَجية وخطاب الحرب

الدولَجية وخطاب الحرب
بقلم : يوسف عمارة أبوسن
في فيلم (البداية) للمخرج صلاح أبو سيف ، يستخدم رجل الأعمال المتسلط (نبيه بيه) الدعاية السوداء ضد المثقف الذي يعارضه، فيخاطب الفلاح واصفا المثقف : (دا ديمقراطي ) ويشدد على كلمة ديمقراطي بصيغة تجعلها منفرة ثم يكمل (دا ما يوردش على جنة) .. ولا يحتاج الفلاح وصديقه لغير تلك الكلمة ، فيندفعان نحو (الديمقراطي) الذي يعترف بديمقراطيته .
الإبتزاز بالدين والوطنية وبحكم الجمهور عادة قديمة ، فالشموليون يراهنون على جهل من يقدمون لهم البضاعة الفاسدة ، وعندما يوضع المثقف في مواجهة الرأي العام فإنه يحتاج لجهد كبير كي يقدم رؤيته ويشرحها ، ولأن كثير من الناس لا يجتهدون في تفسير ما يُصدّر إليهم فإنهم يحتاجون لمن يفسره ويقدمه لهم جاهزا ، فلا وقت لديهم لفهم التعقيدات .
منذ انطلاق تمرد المليشيا في ١٥ ابريل ظهرت طائفة أنصار بقاء الدولة والذين أصطلح على تسميتهم ب (الدولجية) وأبرزهم (دوغين الغلابة) الدكتور عمرو صالح ياسين والذي تعرض لهجوم كبير بسبب مواقفه ، وبما أنه لا أحد من خصومه يستطيع المزايدة عليه وعلى مواقفه السابقة ومشاركته في التأسيس النظري لثورة ديسمبر ، فقد مالت الدعاية القحتية لتصنيفه مستفيداً من تلك المواقف رغبة في مكاسب قادمة أو تسديدا لفواتير سابقة ، وهو ما لم ينطلي على أحد .
بجانب (دوغين الغلابة) برز الناشطين: أحمد شموخ ، شادي علي ، جهاد سلامة ، محمد عبد الباقي ، محمد المصباح ، وغيرهم من العقول النظيفة والتي أحدثت نقلة كبيرة في خطاب الحرب ، وشكلت منطقاً موازياً لمنطق (الأدلجة) ، منطقا مقبولاً وعقلانياً يتخذ فكرة بقاء الدولة مبدءاً للعمل، مبتعدا عن تقديس الأشخاص ومؤسِّسا لمنطق يقيس الأفعال بما يخدم فكرة وحدة الدولة وإحتكار القوة والعنف، والتأسيس لنظام سياسي متماسك قابل للإصلاح بديلا عن (الملْيَشة) والديكتاتورية المدنية المرعية ب(الكدمول الغازي) .
في الفترة الأخيرة ومع تطاول أمد الحرب أتجه أنصار الدولة للهجوم على القائد العام وهيئة قيادة القوات المسلحة ، بإعتبار أنها في حد ذاتها تمثل خطرا على بقاء الدولة ، وذلك بناء على تقديرات سياسية وعسكرية مقدرة ، لكن وبعيدا عن سؤال (البديل منو) فإن تكلفة إنشقاق الجيش رأسيا أو أفقيا أكبر من بقاء هيئة القيادة بأخطائها وبطء إستجابتها ، وذلك الإنشقاق لو حدث فسيجعل من سلاح التخوين عنصراً فعالاً يضاف لأسلحة المليشيا وحلفائها ، وحينها سيكون نصيب العدو رصاصة واحدة من العشر رصاصات التي يستحقها، وستتجه التسع رصاصات لصدور (الخونة) والذين سيكونون هم الجميع ، أي كل فريق في نظر الفريق الآخر ، وهذا الإنشقاق سيتبعه إصطفاف آخر على مستوى الحواضن الإجتماعية والسياسية لكلا الطرفين ، لذلك في ظل هذه الهشاشة أعتقد أن الدعوة لأي إنقلاب أو إنشقاق أفقي أو رأسي على مستوى الوحدات والفرق أو على مستوى هيئة القيادة أو (تحفظ على رأس النظام في مكان آمن) يعد مغامرة من نوع (الروليت السياسي) .
عن نفسي كـ (دولجي ذرائعي) لا أرى في البرهان وهيئة القيادة إلا موظفي دولة يُحكم عليهم بقدر إنجازهم لمهامهم أو فشلهم ، وأميل دائماً لإختيار أخف الضررين وأهون الشرين، فالعجز والفشل في إدارة العمليات العسكرية أفضل عندي من التواطؤ ، والحكم الشمولي أفضل من الحكم الأسري ، والرابطة القبائلية أكثر ضررا من التطرف الديني ، والسياسي المرتزق (الذي يخدم لقمة عيشه) أهون شراً من السياسي المستغَل (الذي يخدم أسياده) .


