رأي

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (45)

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (45)

بقلم :السفير عبد الله الأزرق

لندن (8)

صحيح أن الإسلاموفوبيا متمكّنة في الغرب؛ يغذيها اللوبي اليهودي الذي يسيطر على الإعلام والذي أوصل عناصره لمواقع مفصلية في مؤسسة (الملأ) The establishment.
وتغذيها تجارب تاريخية للغرب، خلال معاركه في الحروب الصليبية the Crusade.
وترفدها الكنيسة الغربية، بمدرستيها الكبيرتين، البروتستانتية والكاثوليكية، وكذلك الأرثوذوكسية.

ومما أثار عجبي أن كبير أساقفة كانتربري -وتعني كبير أساقفة الكنيسة الأنجليكانية الحالي جاستن ويلبي Justin Portal Welby- هو يهودي الأصل!!
وبعد تنصيبه ادّعى أنه لم يكن يعرف أنه يهودي!! ولم يُدرك هذه الحقيقة إلاّ بعد أن جاءه زعماء يهود مهنئين!!!

ويذكر الناس أن مادلين أولبرايت، وزير خارجية أميركا الأسبق، ادّعت نفس هذا الادّعاء؛ حين زعمت أنها لم تكن تعرف أنها يهودية إلاّ بعد أن جاءها يهود مهنئين بعد تنصيبها.
وكل هذه تُؤكّد مدى تغلغل يهود في النسيج الاجتماعي الغربي وإخفائهم لهوياتهم إلى أن يتمكّنوا.
ومعروف أن كثيراً من يهود غيّروا أسماءهم بعد انتقالهم لبلاد غربية، خاصة بعد محرقة هيتلر لهم.

مما يجدر ذكره أن كاتدرائية كانتربري هي مقر الكنيسة الأنجليكانية؛ ومنها انطلقت الحروب الصليبية التي قادها رتشارد قلب الأسد. وتُعد المدينة من المدن المقدسة في الكنيسة الأنجليكانية، وتبعد حوالي 89 كيلومتراً جنوب شرق لندن.
وقد وجدت (مولانا) جستن ويلبي حين زرتُه رجلاً يتمتع بظرف، كثير الابتسام، ومجاملاً، وهو أحد أعضاء مجلس اللوردات، بحكم منصبه الديني.
وفي مجلس اللوردات 26 عضواً من كبار رجال الكنيسة Lords Spiritual يعينهم الملك بحكم مناصبهم، عدا الأسقف الذي ينظم عمل الأساقفة الأعضاء مع مجلس اللوردات the Convener الذي يعيِّنه كبير الأساقفة.. أما بقية الأعضاء في مجلس اللوردات (الذين يعتبرون علمانيين في مقابل الأساقفة) فيُميزون بأنهم لوردات دُنيويين Lords Temporal.

لكن النظر العميق للسياسة الخارجية البريطانية إزاء السودان يكشف عن أنها لا تحركها الإسلاموفوبيا وحدها؛ فالمطامع الاستحواذية وحب السيطرة أعمق وأعرق من الإسلاموفوبيا.

وقد تتكشّف روح السيطرة هذه حتى لدى الدبلوماسيين الإنجليز دون أن يُحسوا.
وتجلّى لي ذلك حين استُدعيتُ على جناح السرعة عَقِبَ إبطال جيشنا لسيطرة قوات الحركة الشعبية على حقل هجليج النفطي (10 أبريل 2012).
وكان سبب الاستدعاء أن أربع خواجات عبروا حدودنا بعد إجلاء جيشنا للمتمردين من الحقل، واعتقلتهم السلطات الأمنية.
وفي الخارجية عبروا لي عن عدم رضاهم لاعتقالنا الرجال الأربعة الذين كان واحد منهم بريطانياً، وطلبوا مني أن أنقل لحكومتي ذلك الموقف ومطالبة حكومة جلالة الملكة بإطلاق سراحهم.
دافعت عن موقفنا القانوني لاعتقالهم، فقد تسللوا من غير تأشيرة لداخل بلادنا.
وفي حديث لاحق حول نفس الموضوع كرر لي مدير الإدارة الأفريقية السفير نيكولاس كاي، نفس طلبهم لمرة ثانية، رغم توضيح موقفنا.. ونحن نعرف بعضنا منذ أن كان هو سفيراً لبلاده في الخرطوم. وننادي بعضنا بالاسم الأول، مما يعني أننا رفعنا الكُلفة بيننا.
وتجلت روح الهيمنة حين انتهى الجدل بيننا ورافقني لخارج مكتبه؛ وهنا قال لي بلهجة آمرة، تخلو من الدبلوماسية:
‏AbdAlla, you have to release these people today
“عبد الله، يجب أن تطلقوا سراح هؤلاء الناس اليوم”!!
وقد أغاظتني لهجته الآمِرَة المُهيمنة، فقلت له:
‏Mind you , Excellency , the Governor General had left Sudan in the year 1956.
“لعلم سعادتك، لقد غادر الحاكم العام السودان عام 1956!”
فاحْمَرّ وجه الرجل، وسكت.. لكن من المؤكد أنه كرهني.

وفوجئتُ يوماً بخطاب من بنك باركليز، حيث حساب السفارة، يقول: إن البنك سيُغلق حساب السفارة أن لم نغيره من (حساب حكومة السودان) إلى (حساب السفارة السودانية).
استشرت الخارجية، فوجهتني بالاستجابة لطلب المِصرف.
ولأن الراسخ عندنا في الخارجية أننا نحترم توجيهات الرئاسة، وهي لدينا لا تقبل رداً ولا صرفاً؛ فنفذت التوجيهات.

ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.. إذ قام بنك باركليز بإغلاق حساب السفارة؛ بل وأغلق حسابات لسودانيين آخرين، عمرها عشرات السنين.. ولم يُبدِ المِصرف أي مبررات وأسباب لذلك العَسَف.

ولم تُجدِ كل محاولاتنا مع الخارجية البريطانية للتدخل؛ وهي مُلزمة كبلدٍ مضيف، بموجب اتفاقية فيينا بتسهيل عمل السفارات.. وكانت الخارجية تتعلل بأن هذه المصارف خاصة وخارج سلطان حكومة صاحبة الجلالة. ثم لم نجد أي مصرف بريطاني آخر لنفتح فيه حساب للسفارة.
طلبت من خارجية – الخرطوم (كما نخاطبها برقياً) أن تعامل الإنجليز بالمثل Reciprocity؛ ولكنها فوجئت بأنهم لا يحتفظون بأي أموال في المصارف السودانية!!!

من ناحية أخرى، يبدو أن المصائب لا يأتين فرادي، وخاصة مصائب بني جلدتنا على وطننا؛ مما ذكرني بأبيات دكتور الزين عمارة مخاطباً الوطن والتي تقول:

هانت أبُوّتُك الحنونُ رخيصةً
وطغى عقوقُ بنيك بالمئات
ما كنت أحسبني أعيش لكي أرى وطني يعيش مقسَّم الجبهات
ما جاء في بالى ولا في خاطري
أن تُستباحَ ضحيةَ النزوات
أنا لا أصدق ما يدور حقيقة
ولربما من قسوة الصدمات.

وذلك أن أحد أعضاء الفريق الأولمبي السوداني المشارك في دورة الألعاب الأولمبية 2012، اختفى وطلب اللجوء!!
وهذا حزّ في نفسي وآلمها.
وأنّ مجموعةً من الصحفيين الشباب جاءوا للندن في دورة تدريبية، وقبل تخرجهم طلبوا من المؤسسة التي تتولى تدريبهم أن يتم تخريجهم في مقر سكن السفير.
وبالفعل أقمت لهم مأدبة، ودعوت مسؤولي المؤسسة التي دربتهم، واحتفلنا، ووزعت لهم الشهادات.. وأعطيتُ كل واحد منهم هدية خاصة.
ثم فوجئت بأن أحد من خرجتهم في منزل السفير طلب اللجوء.

والذي يؤلمنا أن طالبي اللجوء والذين يسهلون لجوءهم، يكون حدهم السماء في ذمهم السودان Sky is the Limit؛ فهم في سبيل حصولهم على اللجوء، لا يَرْقبونَ إلاًّ ولا ذِمّة، ولا تعنيهم الإساءة لسمعة البلد.
أحدهم قال للسلطات الهولندية في طلبه للجوء: إنه من قوم سدوم؛ وإن حكومة المتطرفين الإسلاميين ستقتله إن عاد للسودان!!
ألم أقل لك إن حدّهم السماء!!

ومن الوقائع التي أشعرتني بالهزيمة أنني ناقشت يوماً مع الخارجية البريطانية خطأ ما يكتبونه دورياً في موقع الخارجية بشأن (نصيحة السفر) Travel Advice للسودان. وفيها يُنصح البريطانيون بعدم السفر للسودان لانتشار السلب والنهب وسرقة السيارات، مما يعطي انطباعاً بانفلات إجرامي وأمني مريع، حتى في الخرطوم!!
ووقتها كانت الخرطوم آمنةً مطمئنة، ينام أهلها في الحوش؛ وتتمتع المرأة فيها بأمانٍ لا تخشى فيه حتى الذئب على غنمها!!!

على أنّ ما أشعرني بالخذلان أنهم قالوا لي: إننا لا نكتب ذلك، وإنما يكتبه لنا السيد (أ. ب) وسموه.
ولست أدري، أتلك كانت زَلّة لسان، أم أنهم أرادوا أن تكون حجتي داحضة!!!
وظلم ذوي القُربى أشدُّ مضاضةً
على المرءِ من وقع الحسامِ المُهنّدِ.

والسيد (أ. ب) يستهدف صورة بلده ويظن أنه يقدح في نظامه الحاكم!!
يا لبؤس العقول.
وهو ضربٌ من الناس ينطبق عليه قول الحق:

(وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ ۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ) (المنافقون:4).

زر الذهاب إلى الأعلى