رأي

أجندة ما بعد التحرير

أجندة ما بعد التحرير
بقلم : السفير د. حسن عيسى الطالب

ما يحتاجه السودان بعد الانعتاق والتحرر من كيد الارتزاق السياسي، وبعد إنهاء التمرد المدعوم بالتآمر الخارجي، هو ترتيب قاصد ونهج مختلف لإدارة الدولة، وتعزيز سيادتها، والاعتداد بالانتماء إلى ترابها. ولا يتأتى ذلك إلا بتمكين أهلها الحقيقيين، القابضين على قيمها الماسكة، والرابضين بأرضها، والمستشهدين لعزها، لاتخاذ قراراتهم بأنفسهم، دون عمالة مرتزقة، ولا وصاية ماكرة ولا خيانة سياسية سافهة.
ولن يتسنى ذلك إلا عبر حكم فيدرالي ديمقراطي واسع وسلس، يتيح لكل ولاية على امتداد القطر، حرية اختيار شكل الحكم والحوكمة التي تريد، عبر استفتاء شامل وشفاف لمواطنيها، ويسمح بتعديد الولايات بالمشورة والتراضي الشعبي. وأن تختار كل ولاية فيدرالية قوانينها التي تحكم بها، وتشكل حكومتها من مواطنيها، ولها برلمانها ومحكمتها العليا وشرطتها الولائية، وتكون لها قوة حماية ودفاع، في إطار دولة اتحادية ديمقراطية.
هذا هو المنهج الراسخ سياسيا والناجح عمليا والذي قامت عليه أمريكا، وطبق كذلك بنجاح في عدة دول ذات تنوع ثقافي واجتماعي وذات مساحات شاسعة، لا يسعها ولا يحيط بها الحكم المركزي، كالبرازيل والهند واستراليا والأرجنتين. بل إن نظام دولة الإمارات العربية المتحدة وادارتها الفيدرالية لإماراتها الست، التي تحظى برضى مواطنيها، كانت السبب الأساسي الذي ارتقى ببعض إماراتها الفيدرالية – دبي – ليطلق عليها اقتصاديا ‘سنغافورة الشرق الأوسط’ من تلقاء النجاح الباهر الذي حققته اقتصاديا واجتماعيا، بحيث أصبح دخل الفرد فيها يفوق مثيله في فرنسا وبريطانيا والمانيا.
فالحكم المركزي شاذ وغريب على تاريخ السودان السياسي، ومزاح مواطنيه وتقاليدهم وتجربتهم التاريخية، التي ظلت عدة قرون تعتمد نمط حكم الإدارة الأهلية، الذي هو مستوى من درجات الفيدرالية في مراحلها الأدنى.
وقد طبق الحكم المركزي القابض لأول مرة في تاريخ السودان السياسي، ومنذ عهود الدولة النوبية، والدويلات التي تلتها في دنقلا والمقرة وعلوة، ثم إبان حكم السلطنة الزرقاء (١٥٠٤ – ١٨٢٠م) التي خلفتها، بعد غزو محمد علي باشا عام ١٨٢٠م، ثم كرسه وعزز قبضته الجنرال كتشنر بعد الغزو وتدمير الدولة الوطنية المتمثلة في المهدية، عام ١٨٩٩م لتكريس القبضة الاستعمارية وإلغاء القوانين الوطنية الواصلة للقيم والتراث القومي السوداني، وتزوير التاريخ السياسي والثقافي والعقدي للسودانيين.
فهل يثوب السودانيون بعد التجربة القاسية التي عاشوها منذ ١٥ أبريل ٢٠٢٣م، والتي من ضمن مسبباتها الإدارة الفاشلة للبلاد لمرحلة ما بعد الاستعمار، الى رشد الحكم، واتباع ما جربوا وألفوا عبر القرون، أم يرتكسون في القفص الإداري الكتشنري الذي أذاقهم الذل السياسي والتشتت الاجتماعي والهوان الإداري والكساد الاقتصادي على مدى قرن ونيف من الزمان؟.

زر الذهاب إلى الأعلى