استئناف الدراسة بالجامعات والمدارس أكبر هزيمة للتمرد

بقلم :أبوبكر محمد أحمد إبراهيم
كنت أنوي، قبل أيام، أن أعلق على قرار المكلف بمهام التعليم العالي والبحث العلمي (هكذا وُصف من مهر الخطاب المرفق بتوقيعه!)، الذي جرم الجامعات التي استأنفت الدراسة وفرض عقوبات عليها، على أساس أنها لم تلتزم بقرار ايقاف الدراسة. وهو قرار في الأصل معيب. لم يتوفر لي من الوقت بعد ما يمكنني من ضبط ما أنوي قوله في هذا الصدد.
طالعت هذا المساء مبادرة من بروفيسور علام النور، تستهدف معالجة وضع الطلاب السودانيين ممن لديهم جنسية بريطانية، ويبدو أنه -بحسب توضيحه- يعمل على مساعدتهم لمواصلة دراستهم في الجامعات البريطانية. وهذا مسعى مشكور ويندرج ضمن ما اسماه الصحفي الأستاذ محمد عثمان إبراهيم بالأفكار التي “تعين الضحايا على التعامل مع تحديات الحرب” التي عجز القادة عن تجنبها، وإلى حين ايقافها.
مبادرة بروف علام حركت في الرغبة للادلاء برأي مفاده أن تلك الطريقة في التفكير في الأزمة لا تخدم طلاب الجامعات السودانية ولا تحل أزمتهم في جامعاتهم المسجلين فيها، لكنها توفر لهم فرص بالجامعات البريطانية للدراسة هناك، والانسحاب من الجامعات السودانية.
فكرة اعتماد الجامعات السودانية لاحقا لمقررات تتم دراستها في جامعات أخرى Transfer credit تحكمها لوائح يعلمها أهل الشأن. في الأرجح المقررات الدراسية غير متطابقة بين الجامعات السودانية ونظيرتها البريطانية أو غيرها في الخارج. مما يصعب الاعتماد المتبادل أو يضيق فرصه في تخصصات بعينها، وقد تحظى به بعض الجامعات ذات السمعة الجيدة. والحال كذلك، ما العمل؟
الأوفق أن تبادر مجموعة عمل متخصصة في التعليم للقاءات إسفرية/عن بعد لمناقشة استئناف الدراسة في الداخل، في الولايات المستقرة نسبياً، بحيث تسندها مراكز دراسة في الخارج. التفكير في هذه المعضلة مهم، وإن كانت هناك صعوبات يجب أن ننوه إليها للعمل على معالجتها ما أمكن، منها:
معرفة أعداد الأساتذة الذين هجروا البلد، والذين هم في وضع غير ملائم للعطاء بجامعاتهم أو من المراكز التي قد تنقل لها الجامعات. وصف هذه الحالة وتحليلها مهم كخطوة أولى لتحديد النقص وسد الشواغر في الهيئة التدريسية والفنيين.
الاجابة كذلك عن سؤال: كيف يمكن التغلب على تحدي المكتبات والمعامل والورش، في ظل عدم كفاءة المتوفر منها خارج العاصمة؟
تدبر معضلة رواتب الأساتذة بالجامعات، الذين لم يصرفوا رواتبهم منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل الماضي، مع بعض الاستثناءات. مع التنويه إلى أن الوزارة صرفت للعاملين بها وكذلك معاهد البحوث التي ألحقت بالتعليم العالي بعد أن كانت سابقا في وزارة مستقلة هي وزارة العلوم والتقانة. فما العمل؟ وما الحلول الممكنة؟
هل الجامعات الحكومية تحديداً يمكن أن تتساهل مع الطلاب فيما يخص الرسوم الدراسية، سواء النظاميين أو القبول الخاص؟ وماذا عن إمكانيات الأسر في الوفاء بسداد هذه الرسوم إذا تمنعت إدارة الجامعات؟ فالأسر كذلك تعاني صعوبات معيشية جمة، ونزوح. ألا يحتمل أن تتحمل الدولة أو جهة ما، صناديق إقليمية أو دولية، هذه التكاليف إذا أحسنت الجهات المعنية عرض المشكلة مشفوعة بالتوصيات ومقترحات الحلول؟
ما دور الاتحادات المهنية؛ اتحاد الجامعات الافريقية، واتحاد الجامعات العربية، واتحاد جامعات العالم الإسلامي، والمؤسسات المتخصصة؛ مثل اليونيسكو والالسكو والايسيسكو. ما المسؤوليات التضامنية لهذه الاتحادات والمؤسسات في هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها مؤسسات التعليم السودانية؟ هل تواصلت إدارة التعليم العالي والجامعات وإدارة التعليم العام مع هذه المؤسسات بمقترحات واضحة؟ على الأقل يمكن أن تدرب مجموعة منتقاة من السودانيين لإدارة ملف التعليم والتعليم العالي في ظل هذه الأزمة، فهناك أدبيات وتجارب قطعاً يفيد الوعي بها ويمكن اختبار محاولة الاستفادة منها لعلها تسهم في تدارك ما يمكن تداركه في هذا الصدد.
لا بد من إرادة وقبل ذلك رؤية تدرك أبعاد الأزمة التعليمية في سياقها الحالي. هذه أزمة التعامل معها يجب أن يتم بفقه إدارة الطواري والأزمات.
علينا جميعاً العمل على تدارك هذا الجيل قبل أن يتخطفه تجار الحرب أو يهيمن عليه اليأس، ومعلوم ما يمكن أن يقود إليه هذا الطريق من تزكية للعنف واستدامة للصراع.
لقد تحمل هذا الجيل أكثر من غيره اخفاقات الدولة ونخبها؛ فاللهم ألطف بهم وعافي بلادنا من هذه الأزمة، يا من لا يعجزه شيء.


