حول ما يشاع عن اتفاق وشيك

حول ما يشاع عن اتفاق وشيك
بقلم: محمد جلال أحمد هاشم
بصرف النظر عن موقف أي واحد منا إزاء هذه الحرب، تظل الأخبار المتناثرة عن آليات وقفها أمرا هاما يشغلنا كلنا. ولكن كيف لنا أن نمايز ما بين الأخبار “الطلس” وما بين الأخبار ذات المصداقية، في هذه الحرب تحديدا؟ بالطبع، هناك عدة طرق، لكن دعونا نستعرض واحدة اعتبرها من أهمها، بالذات في هذه الحرب الدائرة.
***
من حيث القاعدة المعروفة في الحرب التي يكون على طرفيها جيشان، أو جيش واحد على أقل تقدير، كما هي الحال في هذه الحرب:
ما لم يتحدث القائد العسكري أمام جنوده عن احتمال توقيع اتفاق، فكل كلام من هذا القبيل ليس سوى طلس.
***
انظر، مثلا، عندما اقتربت مباحثات جدة من احتمال (شوف: احتمال) اتفاق، جاء برهان إلى قاعدة الفلامنكو ببورسودان وقال للجنود وصف الضباط وصغار الضباط، بين كلام كتير كدا، ما معناه أن “اتفاق مذل أو ما بيحفظ كرامتكم ما بنجيبوا ليكم”!
***
ففي الحروب، لا يخاطب القائد العسكري جنوده بما يطالبهم به، بل أيضا يخاطبهم بما يطالبونه به. وفي الظن أن هذا هو ما خاطبهم به البرهان في قاعدة وادي سيدنا صبيحة وصوله إليها بعد مغادرته للقيادة العامة في الخرطوم. ثم كرر لهم ذلك بذات القاعدة البحرية (الفلامنكو بالبحر الأحمر)، ثم شذ عن ذلك بذات القاعدة، ريثما يعود إلى ما يطالبه به جنوده وصف ضباطه وصغار الضباط (أي ما نسبته حوالي 80٪ من الجيش، فضلا عن كونهم القوة المقاتلة).
***
ثم اكتشفت القيادة العسكرية الرفض التام من الجنود وصف الضباط وصغار الضباط لأي اتفاق مع مليشيات الجنجويد، وهنا وجدت قيادة الجيش المخرج لها في التمسك بشرط خروج مليشيات الجنجويد من المنازل والأحياء والأعيان المدنية ومقار الدولة، وهو ما كانت قد التزمت به المليشيا في مباحثات جدة. فكان أن جعلت قيادة الجيش من تنفيذ هذا الاتفاق شرطا لمواصلة أي مفاوضات قادمة مع المليشيا.
***
وطبعا مليشيات الجنجويد لن تخرج من الأحياء السكنية بدليل أنها فضلت الأحياء السكنية على حاميات الجيش في المدن التي أخلاها لها الجيش. فمليشيات الجنجويد الآن ليست موجودة في الحامية بالجنينة أو نيالا أو زالنجي أو الضعين، أو أم روابة، أو مدني، بل موجودة داخل الأحياء في منازل المواطنين (وقبلها كانوا في عنبر الولادة بمستشفى الدايات بأمدرمان)! فكيف تقوم بإخلاء المنازل والأحياء السكنية في المنطقة التي هي محاصرة فيها وتعتبر مناطق اشتباك؟
***
وهذا هو السبب نفسه الذي يجعل من هذه الأحياء السكنية (وبموجب القانون الدولي المنظم للحرب) هدفا عسكريا بالرغم من مدنيتها، شريطة اتخاذ الاحتياطات اللازمة للتقليل من إصابة المدنيين إلى أدنى درجة. وقد كتب الأستاذ الباشمهندس محمد وداعة مقالا هاما وضح فيه ما تقوله مواد القانون الدولي في هذا الشأن (انظر مقتطفات من المقال أدناه).
***
وهكذا توصلت المفاوضات، وسوف تتوصل أي مفاوضات قادمة، إلى طريق مسدود Deadlock.
منذ ذلك الوقت وإلى اليوم لم تجرِ أي مفاوضات في مستوى ما جرى في جدة. فكل ما جرى هو عبارة عن “جر هوا” ليس إلا (باستخدام التعابير الشبابية).
***
لوعايه، و حدث أن تم التوصل لأي اتفاق، علينا أن نراقب ما سيقوله القائد العسكري (هنا هو البرهان) لجنوده وصف ضباطه وصغار الضباط. كبار الضباط، على أهميتهم، لا يُخشى تمردهم بمثلما يُخشى تمرد الجنود وصف الضباط وصغار الضباط لأن هؤلاء هم الذين يقاتلون. انظروا إلى رتبة Master Sergeant في الجيوش وتأملوا قوة هذه الرتبة برغم أنها تنتمي لفئة صف الضباط Non-Commissioned حتى تأخذوا فكرة عن خطورة الجنود وصف الضباط في الجيوش في زمن الحروب.
&&&&&&&&
مقتطفات من مقال الاستاذ/ محمد وداعة “عرمان .. صحوة ضمير أم دعاية وتضليل؟” (16 ديسمبر 2023م):
‘القانون الدولى الإنساني مقروءا مع اتفاقية جنيف لحماية المدنيين أثناء الحرب، مقروءا مع البروتوكول الإضافي الإنساني، التي جميعا تحكم الاستخدام الشرعي للقوة في الصراعات المسلحة وكيف يرتبط ذلك بالأضرار الجانبية، حيث وضعت منظمة العفو الدولية معايير تم توصيفها بدقة وهي معايير “الضرورة العسكرية”؛ “التمييز و التناسب”. هذه المعايير حظرت “… شن هجوم يتوقع منه ان يؤدى الى خسائر فى الارواح المدنية و/أو إلحاق أضرار بالأعيان المدنية تكون مفرطة بالنسبة للمنفعة العسكرية المتوقعة”.
هذه المعايير تم استخدامها على نطاق واسع فى حرب كوسوفو و فى حرب الخليج الثانية ، و نشرت تقارير تحققت من هذه المعايير لتحديد عما اذا تم تجاوزها فى حرب اليمن بواسطة طيران التحالف العربى و تسببه فى سقوط مدنيين أم لا. ونشرت لجان دولية أن سقوط المدنيين فى حفل زواج فى صنعاء لم يكن متعمدا (ترجيح أنه هدف عسكرى)؛ وحالة أخرى لسقوط مدنيين كان فى صعدة، اقتضته الأفضلية العسكرية … .
‘تقصّى لويس مورينو أوكامبو، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، الادعاءات بشأن وقوع جرائم حرب خلال غزو العراق 2003، ونشر تقريراً مفتوحًا (متاحا) يحتوي على هذه النتائج. يوضح أحد الأقسام فيه بعنوان “الادعاءات بشأن جرائم الحرب” استخدام الضرورة العسكرية والتمييز والتناسب، جاء فيه: “تحت مظلة القانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لا تمثل وفاة المدنيين في حد ذاتها خلال الصراع المسلح، بغض النظر عن مدى بشاعته ومدعاته للأسف، جريمة حرب، إذ يسمح القانون الدولي الإنساني ونظام روما للمحاربين بشن هجمات متكافئة ضد الأهداف الحربية، حتى عندما يكون معروفًا أن بعض الوفيات أو الإصابات سوف تحدث في صفوف المدنيين”. فالجريمة تحدث إذا كان هناك هجوم متعمد موجه ضد المدنيين (مبدأ التمييز)”. واستشهد في قوله هذا بالمواد: 8، (2)، (ب)، (1). ويواصل أوكامبو قائلا بأن الهجوم العسكري يشكل جريمة في حال كونه: “… هجومًا على هدف عسكري بمعرفة أن الإصابات العرضية Collateral Damages للمدنيين ستكون متجاوزة بوضوح للأفضلية العسكرية المتوقعة (مبدأ التناسب)”، مستشهدا في هذا بالمواد: 8، (2)، (ب)، (4). ثم يقول:
“تجرم المواد: 8، (2)، (ب)، (4) شن الهجمات عن عمد مع معرفة أن تلك الهجمة سوف تتسبب في خسائر عرضية في الأرواح، أو إصابات للمدنيين، أو إتلاف الأهداف المدنية، أو نشر الضرر الخطير، أو طويل الأمد للبيئة الطبيعية، بما يتخطى الأفضلية العسكرية المادية والإجمالية المتوقعة”. وترسم المواد: 8، (2)، (ب)، (4) المبادئ الموجودة في المادة 51، (5)، (ب) في البروتوكول الأول لعام1977 الذي أضيف إلى اتفاقيات جنيف لعام 1949، ولكنه يقيد الحظر الجنائي على الحالات التي تكون متخطية بدرجة من الوضوح تتطلب تطبيق المواد: 8، (2)، (ب)، (4)”‘


