المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (21)

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (21)
بقلم :السفير عبد الله الأزرق
الجاسوسية والدبلوماسية (3)
كنت وكيلاً للخارجية في 2014.
واكتشفت الوزارة أن شبكة الجواسيس التي تعمل داخل وزارة الخارجية تتكون من أربعة أشخاص.
اثنان منهم يعملان على تسريب وثائق وتقارير من داخل الوزارة وبيعها لسفارات بالخرطوم. وكان جهاز الأمن في أوج يقظته، وظل يراقبهما، إلى أن اعتقلهما وأقرا واعترفا، وجرت محاكمتهما.. كلاهما كانا إداريين، شاب وشابة..
ولاحقاً عفا عنهما الرئيس البشير، بعد وساطات من جهات عديدة، من بينهما وساطة من السيد الصادق المهدي.
ذات يوم وأنا خارجٌ من مستشفى رويال كير، وأنا أفتح سيارتي اقترب منّي شاب وحياني، وعرّفني باسمه، وقال لي: كنت إدارياً بالخارجية وحُكم علي بالسجن؛ لأنني تجسست، وبعد وساطات عفا عني الرئيس، وأريد منك كوكيل أن تعيدني للخارجية!!
هالتني جرأته.
قلت له: إنني لن أعيد جاسوساً مُداناً للخارجية التي تجسس عليها.. ومثلك لا ينبغي أن يعمل في أي مرفق حكومي، وإعفاؤك من العقوبة لا تعني براءتك؛ وإياك أن تقف أمامي مرةً أخرى.
المؤسف أن الإداري الجاسوس أعيد للعمل، بعد مغادرتي الوكالة، في وزارة الخارجية التي كان يتجسس عليها. وأكملت حكومة قحت بقية تفاصيل الجريمة فكرّمته للعمل في سفارتنا في رواندا، فقط لأنه أعلن ولاءه لها وأخذ يكتب في الصحف يسب النظام السابق و”الفلول”!!
ويبدو أن التخابر ليس جريمة في نظر عناصر قوى الحرية والتغيير؛ لعلاقاتهم القوية بالسفارات وأجهزة المخابرات.
الجاسوسان الآخران يتجسسان لصالح الولايات المتحدة.
أحدهما يعمل بقسم الاتصالات بالوزارة، وهو قسم شديد الأهمية والحساسية.
ولاحظت جهات الاختصاص أنه يسافر كل شهرين.. يسافر مرةً إلى سلطنة عمان وأخرى إلى الإمارات.. ومثل هذا السلوك من موظف محدود الموارد لفت الأنظار.
ولفت النظر إليه بصورة أشد، أنه كان مشغولاً بنقل ملفات إلى لابتوب وجهاز تخزين بيانات.
هنا وضعه جهاز الأمن تحت رقابة دائمة غير منقطعة.
ويوم سفره ألقي القبض عليه بعد انتهاء كل إجراءات سفره بالمطار.
وتم العثور على كل مراسلات وزارة الخارجية لمدة عام كامل مخزنة في الأجهزة التي يحملها.
أما الثاني فكان يعمل موظفاً محلياً في إحدى سفاراتنا بالخليج.. وكان على اتصال وتنسيق مع شريكه الذي يعمل في قسم الاتصالات.
وكان جلس لامتحان الدخول لوزارة الخارجية، قبل أن يُكتشف أنه يتجسس لصالح أميركا. وبُعَيد الإعلان عن نتائج الامتحان بقليل افْتُضِحَ أمره. وكانت نتيجة الامتحان تقول: إن الشاب مؤهل لدخول المعاينات.
بالطبع لم يستوعب بالوزارة.
وكان الاهتمام ينصب على كيفية جلبه للسودان، دون إثارة شكوكه، ودون لفت انتباه تلك الدولة الخليجية.
وكان تجسس هذا الشاب مثار حرجٍ شديد بالنسبة إليّ.. فقد كان والده يعمل بالوزارة؛ وأرسل إليّ لائماً لعدم استيعاب ابنه المؤهل.
ما كان يمكنني البوح بالأسباب الحقيقية لعدم إدخال ابنه السلك الدبلوماسي؛ وكنا نفكّر وندبّر كيفية جلبه للسودان دون ضوضاء.
ونجحنا في مدة وجيزة – بفكرة ذكية من السفير – في جلبه للسودان.
وتطورت أساليب ووسائل التجسس في العقود الأخيرة، بالتطورات التي شملت أنماط الحياة كافة.
وقد شكلت ثورة الاتصالات في العقود الأخيرة نقلة نوعية وتغييراً كبيراً في العمل الدبلوماسي؛ مثلما شكلت تحدياً ضخماً له.
كنا أول ما نهتم بعمله كل صباح في السفارات هو إرسال برقيات وتقارير عن أهم التطورات التي حدثت في البلد الـمُضيف؛ وكذلك إحاطة الخارجية بأهم ما بُثَّ ونُشر عن السودان. ولكن تفشي الفضائيات ثم انتشار وسائل الاتصال الحديثة وما رافقها من وسائل التواصل الاجتماعي، قلّص تلك الأولوية كثيراً، فقد أصبحت قدرة تلك الأجهزة والقنوات تفوق سرعة السفارات في العمل.
ومع هذا التطور الضخم، برز نوع جديد من التجسس هو “التجسس السبراني”Cyber Espionage، وهو أشَدّ خطراً مما سواه.
فالمعلومات التي يجمعها أو يسرقها الأشخاص human intelligence تكون أقل كماً من تلك التي تتم عبر الأجهزة الإلكترونية الحديثة؛ ثم إن التجسس السبراني لا يتطلب بالضرورة وجوداً مادياً للذي يقوم به.
وإذا كان الذي يمارسه يعمل في داخل المؤسسة المستهدفة وهو ما يسمي الفاعل الداخلي أو التهديد الداخلي Inside Actor or Insider Threat فيكون الخطر ماحقاً؛ لأنه سيتمكن من سرقة مقدار ضخم من المعلومات.. وهذا ينطبق على الشاب الجاسوس الذي كان يعمل عندنا في الخارجية في قسم الاتصالات.
وقد أصبح التجسس السبراني مهدداً أمنياً، على نطاق العالم؛ لأن الدول والشركات الكبرى أصبحت تمارسه. ولم تعد الدول والشركات الكبرى تتسامح مع منافسيها التجاريين حتى لو كانوا من دول حليفة؛ لذا عمدت الشركات لتكوين أقسام لجمع معلومات سرية عن منافسيها تُسمّى Business Intelligence.
ولا تكاد دولة سلمت من الهجمات السبرانية.
فقد تم اختراق أجهزة البنتاجون، وسُرقت منه معلومات؛ وكذلك من وزارة الدفاع الألمانية.
وتستهدف الصين مؤسسات أمريكية رسمية وشركات كبيرة.
ونجح الفلسطينيون في اختراق محطة التلفزة الرسمية الإسرائيلية، وبثوا رسائلهم فيها.
ودخل عالم التجسس السبراني أفراد هواة بدافع الفضول، ومجرمون، وقراصنة Hackers ، ومنظمات جريمة منظمة، واخترقوا حسابات مصرفية، وقاموا بتحويل أرصدة مالية.
على أن الأخطر بالنسبة للغرب كان التجسس السبراني الذي مارسته داعش؛ وقد فصلت ذلك في كتابي: “داعش: إدارة التوحش” الموجود في أمزون بنسخته الإنجليزية ISIS :Management or Savagery.
واعترف خبراء تقنية غربيون ومسؤولون بفشلهم في اختراق نظام داعش الإلكتروني.
يرجع الفضل لتفوق داعش التقني لعضو داعش الشاب البريطاني الباكستاني الأصل جنيد حسين الذي وُصف بأنه بارع حاذق في التقنية Tech Savvy، والذي صمم لداعش برامج لم تَقْوَ أخطر الأجهزة الغربية من اختراقها.
وقد تمكن جنيد من التجسس على حساب رئيس الوزراء توني بلير والدخول لحسابه المصرفي.
وتمكن من التجسس على المنظمة البريطانية المتطرفة EDL ومسح صفحاتها. وقام باختراقات أخرى عديدة تجسست داعش عبرها على أجهزة ومؤسسات وشخصيات غربية مهمة . وعطلت عبر اختراقات جنيد أجهزة في مؤسسات حساسة .
ولم يفلح كبار خبراء الغرب في المعلوماتية في فك شفرة برامج داعش ولا قَدِرُوا على إيقاف رسائل داعش . كان جنيد بالنسبة لهم معضلة حقيقية ؛ خاصة أن رسائل جنيد كانت وسيلة تجنيد عشرات الشباب في الغرب فانضموا لداعش وسافروا لأرضها !!!
ولم تجد الدول الغربية حلاً لمشكلتها معه إلاّ بعد أن اغتالته بطائرة مسيرة.
ومما يؤكّد شدة انزعاج الغرب من جنيد حسين وقناعته بخطورته ، خروج رئيس الوزراء البريطاني بنفسه في بَثّ ٍ حي ليُعلِن اغتياله .


