رأي

أهل السودان

أهل السودان
و الاوبة الي الارض المباركة
بقلم :محمد الامين ابوالعواتك
باندلاع وتواصل الحرب يكون السودان قد دخل مرحلة مفتوحة المالات متشعبة الاثر كتشعب تنوع الانسان والجغرافيا وتراكم المظالم بفعل تقصير النخب علي الفعل الاتم و مجافاة الجميع التمثل بهدي الاخلاق في الفعل والممارسة وهي مرحلة تؤرخ لنهاية وبداية جديدة لهذه الجغرافيا بعد تمحيص شديد لانسانه من بعد تقلبات مستمرة منذ خروج الحكم الانجليزي.

نخب بلادي وانظمة الحكم بتنوعها والتي يكتب البعض بمغالاة عن تاريخها الوطني الحديث تمجيدا لم تهتم باثر المشكل التاريخي القديم في واقع اليوم وعن ماذا حدث هنا قبل تشكل ما يعرف بالسودان اليوم والذي هو تسمية غير حقيقية لهذه الجغرافيا وهو واجب الوقت ، ولم تفعل كذلك ما يكفي في وضع قواسم مشتركة للمجتمعات السكانيه لتكون اساسا راسخا باقيا عبر الاجيال لهذا التنوع الفريد.. ولا لكمالات الفعل الوطني المشرف المستبصر في افق مستقبل الوطن والامة و لم يقتربوا حتي من سوح حكمته و تقاصروا عنها بل ورطوا في معارك ومغانم السلطان و صراعات علو الكعب والمماحكة السياسية ، كما ان الادوار الوطنية التي نقرأ عنها لبعضهم لا نجد لها اثرا في البناء الوطني الحق فكان جل ماتركوه ارث شائه عديم المنفعه عن نفاق السياسة وخداعها اعتناقا لأسوأ نسخ السلطان وصراعاته فسقطنا كامة عن الامم الصاعدة التي تجاوزتنا ولم يكن بعضها يومئذ في عداد الامم والشعوب .

النذر اليسير الذي توفر ايجابا من رصيد المعرفة العملية والنظم الادارية من اثر تجربة الحكم الانجليزي وهو ما كان ما يميز فقط نخب السودان القديم والاجيال الاولي من الخريجين من دينامكية التفكير و اداء العمل وتناغم الفعل والادوار و الاخلاص في تطبيق هذه الرؤي وفق مرجعياتها العملية هو ما حافظ بصعوبه علي البناء الهش لهذه الامة في خدمتها المدنيه التي كانت المظهر المدني الاقوي والصحيح في ربط هذا التنوع قبل ان يسحب هذا الدور منها تدريجيا بغباء وجهل و قصر نظر لصالح الاجهزة غير المدنية والمنظومات الحزبيه وهو من اكبر عوامل فناء السودان القديم المبكره بجانب عوامل اخري ، ويمكنك التاكد من ذلك إن كنت كثير الاسفار عندما تجد ذلك الكم الهائل من محطات القطارات المهملة وهي لاتزال مكتملة البناء والدور منذ ايام الانجليز وقضبانها المبعثرة في اوضح تجلي مبكر منذ زمان لاحتضار السودان القديم ، بسبب عمليات الاحلال والهدم السياسية في الخدمة المدنية العامة وفي اكبر قلاعها الخدمية التي كانت تربط اجزاء الوطن كالسكك الحديد اكبر شريان من شرايين ممسكات الهوية الوطنيه والنقل النهري والخطوط الجوية السودانيه وغيرها من مشروعات الدولة الكبري والتي كانت تمثل اكسجين تعايش مشترك وهو ما يكشف بالفعل تواضع التفكير الاستراتيجي في البناء الوطني للجميع .

العقود الاربعه الاخيرة من عمر السودان القديم مثل ذروة التلاشي للخدمة المدنية العمود الفقري للبلاد بعد ان فقدت الدولة من تبقي من سدنتها و حفظة تراثها والتدمير الممنهج للشرايين التي تمد الحياة لاطراف البلاد وليس ذلك فحسب بل غزو وزحف اهل العسكرية والتمكين الحزبي عليها وعلي مجمل النشاط الاقتصادي ليمتد التأثر السالب علي المجتمع وانشطته التجارية الاهلية التي كانت تقوم بهذا الدور وهو غزو عاصرته اجيال اليوم واحد اكبر اسباب المدافعه الحاليه وتابعنا حلقات عنه في اخر شهادات وكلمات الحرس القديم لاهل اخر هذه النخب المتمكنه قبل ان يغيبهم الموت او الابعاد بفعل غلبة مراكز القوي الامنية فيها والمرتبطين بها من اهل تنظيمها الذين صار لهم اجندتهم و تفضيلهم الخاص وتغليبهم للفعل الحركي قبل الفكري ، وصاروا بمرور الوقت يعملون بمعزل عن مرجعياتهم التي اصبحت عبء يجب التخلص منه و ورثوا كما في التجربه الاخيرة مشروع اخر نخب السودان في الحكم في ماعرف بثورة الانقاذ التي مثلت ذروة مشروع ما يعرف بالاسلام السياسي الذي اسموه بالحضاري الذي مثل خلاصة جهدهم منذ ظهور هذا الاتجاه في الحياة العامة لاهل السودان منذ ثلاثينيات او اربعينيات القرن الماضي.

قدر لجيلنا ان يكون شهودا لمرحلة صعود اخر النخب في مسرح الحياة العامة المؤثر في الجامعات و سياسيا في المصالحة مع نظام الرئيس النميري و نجومية الترابي و شهدنا رسالة تيارهم المتصاعد في مسيرة امان السودان والانتفاضة والديمقراطية الثالثة فلقد كانت تلك الايام هي فترتهم الذهبية قبل ان تهب عليهم رياح السلطة وامراضها و التي تم فيها زرع آفة انهيارهم والاجهاز علي مشروعهم مبكرا عندما قبلوا ان ينقضوا بالانقلاب علي تجربة الحكم المدني الثالثة و كان ذلك بداية السقوط و بداية تبني اجندة الاقصاء .. اقصاء الاخر والوصاية عليه منذ ذلك الوقت ومفارقة طريق البناء المدني مهما قيل من اسباب ومسببات و بغض النظر عن تفاصيل التجربه وادواتها..

وهو الاقصاء الذي تدحرجت كرة ثلجه المتضخمة بمرور الوقت حتي قضت علي الفكرة والمشروع والوطن ..
الذي صار ممزق الاشلاء..
فانكفأ جنوبه مبكرا علي نفسه ..
محترقا اليوم في باقي أنحائه ..
مشرد الانسان ..
مفتوح علي المجهول .
واذا قدر للانسان النظر الي كامل التجربة هذه وتفاصيل الفعل والسعي و المآلات وامعن التدبر لوجد انها تجسد حكاية الانسان علي مر الزمان مهما كانت خلفياته واعتقاده وادعاءه ..
وهي قصة الاستخلاف البشري الحزينه علي ذات الجغرافيا التي كانت السبب في العقاب القديم الممتد حتي اليوم..
حقائقها مبعثرة في كتب التاريخ القديم وفي جغرافيا غيبت فيها معالم هذا الارث والتاريخ المهول
و اس عظة رسالات الهدي الالهي المختلفة عبر الازمنه..
لكنه الانسان..
و حظوظ النفس الامارة..
والافة المزمنه لسكان هذه الجغرافيا في اعتناق ثقافة حقوق الاخر المختلف..
في كل ما يتعلق بثقافة الاخر من تنوع وتفصيل سواء كان ثقافة تنشئة ..
ايمانيات ..
موروث اجتماعي ..
اسلوب حياة ..
تفكير مختلف
او حتي مجرد وجهة نظر مختلفة..
فنحن كامة فقراء في ثقافة قبول الاخر المختلف .
و نعاني نزفا حادا في مخزونها القليل .
بل تكاد تكون منعدمة فينا..
في كل شئ ..
نحيل الاختلاف في اصغر التفاصيل ..
الي معارك كبري
ودماء
و مؤخرا نقض غزل مجتمعاتها الدقيق و تفكيك في جغرافيتها ..
لا لشئ الا لعدم قبول مشيئة الله في الاختلاف و التنوع.
والدليل الحي الماثل لذلك عمليا في الاجابه علي سؤال مهم :
هل تحسنت احوالنا بعد انفصال الجنوب ام ازدادت سوءا ؟
هل تحسن معاشنا و اصبحنا افضل ام غير ذلك ؟
و ما كان هذا الا بسبب عدم القدرة علي التعايش الذي هو مظهر ضعف متأصل بعدم قبول المشيئة الالهية ان جعل الناس مختلفين !!
ثم يعود ذات الانسان المجافي لخير الهدي ليحدثك مرة اخري عن الدين بفهمه المتقزم وامراضه في عدم تحمل التنوع الالهي في الخلق وضرورات فصل جغرافيا اخري جديدة !!
هذه مأساتنا القديمة المتجددة
و مأساة النخب ..
التي اهملت مراجعة نفسها ودرس التاريخ والحاضر
لذات عبر المسير …
و السير و الحكايات والعظات الواردة في “احسن القصص” في الكتاب الذي يتلونه ليل نهار ..
فما اكثر حلقات تلاوتهم وما اندر تدبرهم
وادمان مرجعية السلطان..
وصراعاته..
وفقهه البائس الذي لاعلاقه له باعظم و اكمل رسالات الاخلاق..
و لا بالمرجعية النبوية العظيمة الممدوحة بالاخلاق العظيمة ..
وغض الطرف عن مقصدها تماما في مكارم الاخلاق..

و اليوم
ونحن علي اعتاب هذه المرحلة التاريخيه اقول للكل:
من يعتقد بذكائه و مكره…
فهناك من هو اسرع مكرا وهو خير الماكرين جل جلاله ..
و لمن يقول وينادي بالتغيير..
وبالثورة
والمدنيه
إن مبتدأ التغير لذلك هو النفس ..
فإن لم تصلح مفردة المجتمع وهو الانسان في نفسه وذاته واخلاقه..
فستدور ساقية الفعل والتجارب والمآلات..
فلقد كانت ” خلجة نفس” هي التي اودت بكل هذا الجهد البشري لاخر نخب السودان في تاريخه المعاصر قبل فايروس السلطة والممارسة ..
وإن اي تغيير وفعل يتجاوز الاخلاق يحمل بذرة فناءه في داخله ولا يعول عليه..
بلا احادية او اقصاء ..
ولاتفريط في الحقوق والعدالة الا لمن عفي..

ايها الناس سرحو الابصار في كل مكان في جغرافيتنا ونقبوا فيها عن بشريات مشروع اخلاقي اصيل واعتنقوه فهي ارض اخلاق قديمة ستجود بعده هذه الارض التي هي كنز الدنيا المدخور …
بشفرة الوراثة لمن يستحق مفاتيحها..
اما الان ..
فهو زمان اجابة الجميع علي الاسئلة الاصل :
متي نخرج من “متاهة السلطان” الذي هو فتنة
اجيال ممتدة من المبدلين بكل تنوعهم وارض تيههم المفضلة..؟
فهو بلا شك عندي..
الغوايه الكبري لسيد المبدلين…!!
و متي نكون علي استعداد تام لقبول الاخر المختلف وتحمله واستيعابه والتعايش معه بقواسم المشترك الاخلاقي الذي يجمع ؟
لان الاجابه علي ذلك هو الامتحان الاساس لهذه الجغرافيه..!

وليعلم الناس..
ان خارج متاهة صراع السلطات وفقهه وارض التيه هذه…
هناك هدي عظيم و سبل عيش إنسانية اخري تمثل جغرافيا رحيبه واسعه ستكون فيها :
اجمل
واكمل
قصص الاستخلاف الانساني
التي لم تبدأ بعد
منذ هبوط الانسان علي هذه الارض المباركة المقدسة.

زر الذهاب إلى الأعلى