سياحة الآثار في السودان ما بعد الحرب (٤-٤)

سياحة الآثار في السودان ما بعد الحرب (٤-٤)
بقلم :محمد الشيخ مدني
نحن الآن في قاعة المؤتمرات بباريس … كان بند تسجيل إهرامات البجراوية مدرجا في جدول أعمال اليوم السادس في المؤتمر … وعندما طرح الموضوع للتداول سارت الأمور بأفضل مما توقعنا بكثير … ولعل أفضل مداخلة لصالحنا جاءت من بروفيسور علي رضوان رئيس إتحاد الآثاريين العرب … وهو مصري الجنسية … إذ قال : أنتم الآن تتحاورون لتجيبوا على السؤال : هل نسجل إهرامات السودان في التراث العالمي؟ … ولكن السؤال الصحيح هو لماذا لم تسجل إهرامات السودان حتى الآن في التراث العالمي؟ … ثم طرح الإخوة مناديب إثيوبيا وجنوب إفريقيا ونيجيريا الثلاثة أسئلة التي إتفقنا عليها … وكان د. صلاح ثابتا وقويا ومقنعا في الرد على الأسئلة … ولعل ما أثلج صدورنا أن القرار لم يحتاج لتصويت لصدوره … فقد إستطعنا هزيمة توصية المركز المتخصص بالرأس الأول من الخطة وهو الحجة العلمية … وبعد إتخاذ القرار بالتسجيل الفوري وسط ترحيب حار من الوفود عبروا عنه بالتصفيق المتواصل … منحت فرصة كرئيس للوفد لأخاطب المؤتمر …فتحدثت شاكرا ومقدرا بإسم السودان ومؤكدا إلتزامنا بكل ما يتطلب الأمر من واجبات نحو التسجيل … وهنا تخطينا العقبة الرئيسية التي كانت قد منعتنا من الإستفادة من الآثار سياحيا … لتبدأ مرحلة الترويج وإعداد المواقع الأثرية … وهنا أقول بصراحة لم نتقدم كثيرا في هذا الإتجاه … ما عدا بعض الإضافات بواسطة المشروع السوداني القطري لتطوير آثار ولايتي نهر النيل والشمالية … ولكن في عام ٢٠١٦م كان هناك حدث عالمي مسرحه مدينة براغ عاصمة جمهورية تشيكيا … وهو مؤتمر عالمي متخصص في الحضارة المروية في السودان … تقدم فيه أكثر من مائة ورقة علمية يقدمها علماء من جميع أنحاء العالم … جميعها عن الآثار السودانية في مملكة مروي القديمة … هذا المؤتمر يقام مرة كل أربعة سنوات في بلد مضيف … في ذلك العام أي ٢٠١٦م كانت الدورة الثانية عشرة … يعني المؤتمرات دي بدأت قبل ٤٨ عام … المهم شاركنا في المؤتمر بوفد بقيادة بروفسير يوسف فضل … وأول ما راعني وأحزنني أن أعلم وقتها أن السودان وطوال ٤٨ عام لم يستضيف هذا المؤتمر المتخصص في تأريخ السودان … عيب كبير والله … وكان من ضمن أعمال ذلك المؤتمر تحديد الدولة المضيفة للدورة الثالثة عشر عام ٢٠٢٠م … علمنا أن الدول الدول التي قدمت طلبات متنافسة على إستضافة المؤتمر الثالث عشر عام ٢٠٢٠م كانت ألمانيا ومصر … فتشاورت مع الوفد ووزارة الخارجية عبر سعادة السفير السوداني الدكتور أحمد إبراهيم سوار الذهب في أن ننافس ألمانيا ومصر … ونقدم طلبا بإسم السودان لإستضافة الدورة الثالثة عشر في السودان … الحمد والشكر لله رب العالمين … قدمنا الطلب وتمت الإستجابة بقبول السودان مضيفا للمؤتمر … عدنا للوطن سعداء بهذه الفرصة الثمينة والتي لا تقدر بثمن … وطبعا كنا سنقدم أروع وأعظم دورة للمؤتمر … لأننا رأينا أن نقيم جلستي الإفتتاح والختام في الخرطوم … ولكن بقية جلسات المؤتمر في جامعة شندي … حيث يكون البرنامج اليومي للمؤتمرين عبارة عن فترة صباحية للأوراق العلمية في قاعات الجامعة … ثم الإنتقال بقية اليوم ميدانيا لمواقع الآثار في البجراوية والنقعة والمصورات مواضيع الأوراق العلمية … وهي أشبه بحصة العلوم في المعامل (نظري + عملي) … أضف إلى ذلك أن قيام المؤتمر بالسودان يعطي الترويج لسياحة الآثار دفعة قوية … بعد إنتهاء حقبة حكومة الإنقاذ حرصت أن يجد ملف هذا المؤتمر الإهتمام والمتابعة … وكنت أعلم صعوبة التواصل مع المسؤولين في الحكومة الجديدة بحكم وضعي كمسؤول سابق في حكومة الإنقاذ … صممت وإجتهدت كثيرا أن أقابل الوزير المختص عن الآثار وهو وزير الإعلام … وفعلا وفقت في مقابلة السيد الوزير وقتها الأستاذ فيصل محمد صالح وأطلعته على ملف المؤتمر وأهميته وطلبت منه أن يهتم به ويواصل الإعداد له … فوعدني خيرا … ولكن بكل أسف لم يفعل شيئا … وطبعا مضى عام ٢٠٢٠م ولم يقم المؤتمر في السودان كما كان مخططا له … ولقناعتي أن سودان ما بعد الحرب سيكون مختلفا للأفضل إن شاء الله … أوجز مقترحاتي لسياحة الآثار ما بعد الحرب في الآتي :- (١) متابعة المؤتمر المتخصص في آثار مملكة مروي القادم في عام ٢٠٢٤م … والذي سيقام بجامعة مونستر بألمانيا … والمشاركة فيه … وتقديم طلب جديد لإستضافة المؤتمر الذي يليه عام ٢٠٢٨م في السودان … (٢) إنشاء بنيات تحتية جديدة حول المناطق الأثرية بخدمات تتناسب والترويج السياحي … وتشجيع الإستثمار في هذا المجال (٣) تشجيع الرحلات السياحية الجماعية بتقديم بعض الإمتيازات لها … (٤) تشجيع السياحة الداخلية خصوصا للطلاب … (٥) تشجيع الجامعات على التوسع في إنشاء كليات لمنح بكالوريوس أو دبلوم في السياحة أسوة بجامعة شندي …
ختاما السودان يملك ثروة هائلة من خلال سياحة الآثار … فلنجتهد الحصول عليها … والله من وراء القصد … محمد الشيخ مدني … من بريطانيا …


