شـــوكة حـــــــوت

ياسرمحمدمحمود البشر
السودان تبدلات منظومة القيم.. حالة خاصة وأحلام مؤجلة
*يحار المرء حين يَتَملّي واقع السودان المعيش ويَحَزُنٌه مايري من تبدلات في منظومة قيمه النبيلة والتي تشكلت علي أساسها الشخصية السودانية وما تُبدِيه دوما من أنماط سلوكية تَنِمُ عن نضج وتمام عقل وسواءٍ بشري بالمجمل، يحسد عليها السودانيون أينما حلوا، ومع ذلك تزداد حَيرةُ المرء حينما تتداعي هذه القيم أمام ناظريه، الآن، وبوتيرة لا يمكن مجاراتها ولجمها، سيما وقد راعني أن القدوة قد خفت أثر هالتها وخبا، فكان هواننا علي الناس، عندما كَذَبَنا رَائدُنا إبتداءً وانطوت في القلوب حسرات وحسرات تبعا لذلك، وللأسف بين أيدينا كتاب منير يهدي إلي الرشد، ولكنها أهواء بني البشر وما يعتمل في نفوسهم من تصورات سبقية preconceptions وما تأمرهم به أحلامهم. خذ الشريعة مثلا، تجد أن أحكامها تجري علي ما فيه هويً فقط، أما الحقيقة العلمية الثابتة، فلا حكم شرعي فيها، ودونك حديث تأبير النخل، وكيف أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لزارعيه: أنتم أدري بإمور دنياكم، بعد أن ثبت لديه وبالتجربة، أن المنع من التأبير لايجدي نفعا وبذلك انتصر صلي الله عليه وسلم للحقيقة العلمية ولقوانينها التي لا تتغير، والحال كذلك لا يستطيع آي صاحب هويً أو تصورات سبقية أن يعبث بها ويبدلها، إذا المعركة الأزلية الكبري هي – دوما – بين الشريعة في السياق العقدي لأهلها، وبين ذوي الأهواء منهم، حاكما ومحكومين، الذين حَادُوا منها بعد أن شادُّوا الدين فغلبهم، كما نري في زماننا هذا، فسكتوا وكأن شيئا لم يحصل، رغم إدعائهم العلم ( ولو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله أحبار أهل الكتاب، ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم الله المنافقين) أو كما قال إبن قيم الجوزية رحمه الله.
*والحال كذلك، أنت تلتفت ذات اليمين وذات الشمال، تتلمس حلولاً هنا وهناك، علك تعثر علي وصفة تنفع، يتعافي بها إنسان السودان، فدعني أدلك علي هذه من ضمن إرث معرفي إنساني ضخم، يهدف كله إلي رفعة بني الإنسان ولنستعرض معا بعضا من فقرات تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام ٢٠٠٢م والذي يؤكد علي أن الثروة الحقيقية للأمة العربية تكمن في ناسها (رجالا ونساءاً وأطفالاً) كما يشير التقرير إلي أنه لا بد من تحرير الناس من الحرمان بجميع أشكاله وتوسيع خياراتهم بجعلهم محورا للتنمية، وبهذا، فإن التقرير يشكل تحولا إستراتيجيا جوهريا بجعله الإنسان محورا ترتكز عليه التنمية وحوله تدور ، وذلك علي ضوء هذا التعريف الرصين والذي يقرأ: (تنمية الناس، من قبل الناس، من أجل الناس) ومن المثير للإهتمام هنا، أن هذا التعريف قد أُورِدَ وكأنه مقابسة عن تعريف الديمقراطية والذي يقرأ: (حكم الشعب، بالشعب وللشعب)، وعليه فالإنسان هو الهدف والوسيلة في آن معا، وهذا يقود إلي أنه ولضمان تحقيق التنمية الإنسانية، لابد من تمكين الناس جميعا من المشاركة وبفاعلية، في التأثير علي الأحداث التي تُشكل حياتهم وتؤثر عليها وذلك عن طريق تحريرهم من الحرمان بجميع أشكاله، خاصة ذلك المتعلق بالحرية والمعرفة وصولا لخلق مستقبل يسهم في بنائه الجميع.
*غير أن السؤال المهم هو ما هي مقتضيات ذلك وكيف يتحقق بالتطبيق علي جمهورية السودان؟وللإجابة عن هذا السؤال، نبتدر الحديث بتساؤل آخر لا يقل أهمية عن التساؤل أعلاه وذلك للوصول إلي منظور إستراتيجي يصوب الرؤية والمسار نحو المقاصد المرتجاة فهل نظام الحكم في السودان يؤسس لحكم راشد Good Governance وصالح يعزز ويدعم ويصون رفاه الإنسان ويقوم علي توسيع قدرات البشر وخياراتهم وفرصهم وحرياتهم السياسية والإقتصادية والإجتماعية؟وكذلك هل تعترف الدولة السودانية بحق الإنسان بالكيان وصيانة حرمته وكرامته وتأمينه من الحاجة والخوف كشرط أساسي وضروري لبناء الإقتدار الإنساني الذي يشكل نواة أي إنجاز أو إنتاج أو تقدم أو تنمية؟.
*وللإجابة ، لا بد هنا من الإشارة إلي أن صفحة الديمقراطية قد طويت كطي السجل منذ العام ١٩٨٩م وحلت مكانها الشرعية الإنقلابية التي كلفت وما زالت تكلف الشعب ما يشق عليه ، من اول يوم وإلي يوم الناس هذا ، والملاحظ أن مسرح العبث السياسي قد أنتج لنا مسرحية (اللعبة الديمقراطية) ثقيلة الوطأة علي النفوس وقبيحة المنظر كوليد شائه القسمات ، لما صنعوها علي إيديهم محاكاة لا أصالة ، ففصلوها علي أهوائهم لمجاراة أمم جعلت منها وسيلة لتصريف شئون الحكم لديها ولكسب رضاء المجتمع الدولي بالتظاهر بإعتمادها منهجا للحكم ولكنه الملك العضوض عند التطبيق، فالسلطات الحكومية تتساهل بها وتطفق ترددها كأوراد راتبة صباح مساء لا عن قناعة ولكن من فوق الحناجر ولسان حالها يقول عن معارضيها:(دعهم يتساجلون ويتجادلون ويتنادون ما دام الأمر لا يمس الكراسي ولا يهدد المغانم).
*والدولة تدار (بقبضة أمنية) بعد أن تغلغلت في مفاصل الإقتصاد والشأن السياسي كله ، فإنحرفت عن مسارها و وظائفها المفترضة في حماية الوطن من أعداء الخارج والتوجه عوضاً عن ذلك ، للداخل ، لمطاردة الناشطين في كل موقع وفعل وقول بهدف حماية الكراسي وبالتالي حدوث تحول في الدور المنوط بها والإتجاه نحو حصار الناس وحبس طاقاتهم الحية وترويضها من خلال التربص بالسلوك وتفتيش ضمائر الناس محاصرة للفكر و وصولا إلي القهر الأكبر الذي يصدقه منطوق تعريفه علي أنه (فقدان سيطرة الإنسان علي مصيره، وصناعة هذا المصير) فكيف ، إذاً ، يمكن إنجاز بناء أو تحقيق تقدم أو نماء ما دامت (العقلية الأمنية) لا هم لها سوي إخماد الطاقات الحية في كل تعبيراتها الرافضة أو حتي المتساءلة بإعتبارها تهديدا لإستقرار الوضع القائم وكيف يمكن بناء معرفة علمية وعلوم متقدمة في ظل الخشية من التجروء علي الفكر والقول اللذين ينذرا بقطع الأرزاق ، هذا ، إذا لم يُلقيا بصاحبهما في غياهب السجون أو يؤديا إلي التهلكة من خلال تسليط سيف (التجريم السياسي والتحريم الديني) علي الرؤوس ، وبالتالي كيف يمكن إنجاز بناء أو نماء حينما تصبح حماية الرأس هي الأساس.
نـــــــــــــص شـــــــوكــة
*والخلاصة أن تقييد السلوك من خلال حبس الطاقات الحية وحجب تجلياتها سينتهي حتما إلي تدجين العقول وحجر التفكير والتساؤل، والذي في مجمله كان نتاجا طبيعا (لعصبيات) إنتابت العقول وكأنها من إجتراحات سلوك شيطان رجيم نعوذ بالله منه ، عصبيات تغشي عقولنا وتستشري بلا انقطاعٍ وتسري سريان النار في الهشيم في يوم عاصف، تغذيها (قبلية) بغيضة و نتنة وجهوية بلهاء مقعدة ، و واضحة لكل ذي بصر وبصيرة.
ربــــــــــع شـــــــوكـة
*ونتيجة لذلك ، فإن الضحية هي الدولة السودانية ، والحال كذلك ، فإن غياب الإرادة السياسية التي تُعلي من شأن الوطن مقروءة مع ضعف الإدارة وتراجع الشعور الوطني لدي الكثيرين ولّد في النفوس شيئا من الأنانية وشيئا من اللامبالاة اللهم أحسن خلاصنا جميعا كسودانيين ، نحلم بمستقبل مشرق بما لدينا من آمال عراض وَأدَتها صروف الدهر ومصائب إقترفها السفهاء منا.


