رأي

عمر الشاعر .. عندما يبكي النهر .. ويتنهد الجبل


بقلم :عبدالوهاب هلاوي

ولربما احتجت لوقت طويل حتي استوعب رحيلك يا صديقي عمر الشاعر .. وربما احتاج لوقت كثير حتي استوعب غياب
نبرات صوتك .. وانت تبادرني بتلك الكلمة التي أضحت سمة لكل لقاء ومهاتفه .. (يا دفعه ) .. بالفعل نحن يا صديقي دفعة كل كسلا .. في كل الدنيا .. دفعة النهر القديم.. الشجر والغيم والمطر .. نحن دفعة حي الميرغنيه .. ودفعة الغربيه ايام الوالد عبدالرحمن سيد بي .. وبقية المعلمين .. عثمان خفير المدرسه ..نور الشبك وهي تجلس تحت شجرة الزونيه المباركه ..
لنبتاع منها سندوتشات الطعميه وسلطة الأسود ..
كانت ايام يا صديقي عمر ..
تصر علي السكن والبقاء علي اعشاش الروح رغم الرياح والمطر ..
.. كبرنا وتفرقت بنا السبل وصرنا .. كل ما التقينا اعدنا واستعدنا صور ايامنا القديمه .. وانت تحتفظ بها بذات الزوايا والألوان في ركن قصي من ذاكره لك .. ضد النسيان ..
تحدثني كل ما التقينا عن كسلا أرضا وانسانا فاجدني اطارد ضؤ نجمه سقطت من قبة الظلام .. كل الامكنه ظلت باقيه في ذاكرتك يا عمر .. الأسواق وأسماء التجار الذين غيبهم الموت .. ضريح السيد الحسن وسيدي جعفر .. المقام .. وحتي مسبحة الشيخ ود أبريق .. ونوبة عمر دقو حيث يمتزج
العراق والطرب المدروش .. وحيث يأخذك ضرب الطار ليصحو في قلبك الف ايقاع وايقاع قادم ..
ساقية فقيري .. وود عطا ..
وكل كل السواقي .. جنوبها وشمالها حتي تكروف .. ورائحة المانجو والليمون ..
بائعي الفاكهة .. موز العم علي نقناق .. المقاهي كلها انت يا عمر .. وانت ود العوض .. خيرات والبان جديد .. عرامي وود وقر ..المطاعم انت وانت ابوطياره وعطيه وكرار قمريه وحتي فول ود احمد واب عكر .. انت انت يا عمر .. وانت انت الحامية
في كسلا .. انت حلة جديد .. شارع الهنود ..
السيوفي .. والوطنيه
وبنك باركليز .. والبتكوبا ..
هل تذكر البتكوبا وقد اتخذناها في طفولتنا مقبرة للعصافير .. غابات الصند المتاخمه للنهر المجنون يا عمر .. المكتبات التي كنت تجيد التردد عليها لتصطاد ما تيسر من مجلات وكتب .. عمك ابراهيم داؤود .. دار فكر كباشي الأمين .. مكتبة اولاد خليل .. وكشك العم كجراي ..
كل اهل الثقافه كانو اهلا لك يا عمر .. احمد فتح الرحمن ومصطفي الرشيد وعمران العاقب .. والشعراء
اجمعين .. كانوا لك أصدقاء ياحلو السمر .. حتي صرت شاعرا .. وان خبأت ما تكتب من فضول البشر .. المغنيين عشت عونا لهم فكان التاج مكي وترباس وابراهيم حسين وعبدالله البعيو .. حتي ابراهيم عوض .. نسخة كسلا التي خانها الوفاء لكسلا فبقيت فيها تعطر امسياتها الحزينه ..
هذه لمحات منك وكسلا وانا الفقير لله .. لك .. نم هادئ البال بعد رهق السنين
.. دعني قليلا .. قليلا الان
يا ( دفعه ) وانت كثير ..

زر الذهاب إلى الأعلى