رأي
منصة

أشرف إبراهيم
تصاعد الإستياء الأفريقي من تنفذ بكين
- تصاعدت وتيرة الإستياء في القارة الأفريقية مؤخراً بشكل واضح من سيطرة ونفوذ الشركات التابعة للصين على إقتصاد وموارد هذه الدول ولعل السبب واضح وهو في حقيقة الأمر أسباب متعددة ومركبة ولكن يأتي الشعور بالظلم في مقدمتها.
- في الواقع تستمر الصين في توسيع نفوذها على نطاق واسع في القارة الأفريقية خلال الفترة الأخيرة، بفضل ضخامة المشروعات التي تنفذها الحكومة والشركات الصينية في العديد من الدول الأفريقية، وضخ المزيد من الاستثمارات في مختلف المجالات الحيوية في القارة، العلاقة الوثيقة بين بكين ومعظم النخب الحاكمة الأفريقية في إطار سياستها الرامية إلى تعزيز حضورها على الصعيد الأفريقي في مواجهة القوى المنافسة لها في هذا الفضاء الجيوسياسي المهم ومع ذلك، تواجه الصين في السنوات الأخيرة موجة من الاستياء لدى قطاع عريض في المجتمعات الأفريقية الرافضة اةللسياسات الصينية الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى تأثر النفوذ الصيني في القارة بتلك الموجة، ومستقبله خلال الفترة المقبلة.
- يمكن الإشارة إلى عدد من المؤشرات الدالة على وجود حالة من الاستياء الأفريقي من النفوذ الصيني في القارة، ومنها إنتهاكات حقوق العمال المحليين وبدأت هناك معارضة لبعض الأنشطة الصينية، مثل ممارسات العمل السيئة في المصانع المناجم، إذ تتجدد شكوى العمال الأفارقة في المناجم المملوكة للشركات الصينية بسبب الظروف القاسية التي يتعرَّضون لها، وهو ما يتعارض مع المعايير العالمية لحقوق الإنسان والعمال، فضلاً عن الافتقار إلى معايير الأمن والسلامة في بعض مواقع العمل، الأمر الذي يُعرِّض العمال للحوادث والموت، علاوة على غياب الرعاية الطبية لهم.
- وتشير العديد من التقارير إلى سلسلة من الانتهاكات التي تعرَّض لها العمال الأفارقة من الشركات الصينية على مدار العقدين الماضيين، فقد أجبرت إحدى الشركات الصينية العمال على الدخول في إجازة قسرية لمدة شهر مع احتمال تسريحهم عن العمال في حال عدم حل النزاع مع الحكومة الغينية بشأن مشروع سيماندو للتنقيب عن الحديد الخام، وهو ما دفع وزير المناجم الغيني في 3 يوليو 2022 إلى إصدار قرار بوقف جميع الأعمال في المشروع، وفي مرحلة ما توقفت المناجم في زامبيا عن تقديم الرعاية الصحية للعمال، وخفضت برامج الرعاية الصحية الوقائية، كما يعاني معظم الأفارقة من عدم حصولهم على ترقيات إلى رتب أعلى داخل الشركات الصينية، وهو ما يعزز مشاعر الاستياء العام ضد الصينيين.
- كذلك الاتفاقات السرية بين بكين والنخب الحاكمة الأفريقية وقد أفضى تسهيل دخول وسيطرة الشركات الصينية في العديد من الدول الأفريقية إلى إثارة العديد من التساؤلات حول الاتفاقات السرية بين بكين والنخب الحاكمة الأفريقية؛ الأمر الذي دفع الرئيس “ويليام روتو” إلى الوعد بنشر جميع العقود المبرمة مع الحكومة الصينية للبلاد، إضافة إلى ترحيل العمالة الصينية المقيمة بأسلوب غير قانوني في البلاد، وذلك في ضوء التخوفات الأفريقية من محتوى بنود تلك العقود التي كشفت بعضها عن حصول بكين على امتيازات التعدين في البلدان الأفريقية مقابل مشروعات البنية التحتية، وربط الحصول على قروض صينية بتقديم ضمانات سيادية فيما يتعلق بالأصول الاستراتيجية، مثل النفط والأراضي والمطارات والموانئ، كما وعد بخفض الاقتراض الحكومي من الصين، خاصةً أن حجم الديون الكينية المستحقة لبكين تبلغ نحو 8 مليارات دولار.
- في الواقع لم يكن موقف “روتو” الأول من نوعه؛ ففي زامبيا، وعد الرئيس الأسبق “مايكل ساتا” عند ترشحه في عام 2006 بطرد الشركات الصينية من البلاد إذا تم انتخابه، ووصف الصينيين بالغزاة. وقبيل انتخابات عام 2011 صرَّح “ساتا” بأن زامبيا قد أضحت مقاطعة صينية، وأشار إلى انخفاض شعبية الصينيين في زامبيا، حيث اتهمهم بغزو بلاده، ومع ذلك، عقب توليه السلطة، تغيَّر موقفه بالكامل تجاه الصين، بسبب المساعدات الاقتصادية الصينية والمشروعات في البلاد، حتى إنه رحَّب بالصينيين ووصفهم بالأصدقاء، وزار بكين في عام 2013، وهو ما يمثل دلالة مهمة حول قدرة الصين على تغيير المواقف الأفريقية المناوئة لها، بفضل الإغراءات بضخ المزيد من المساعدات الاقتصادية والاستثمارات في البلاد،و شهدت البلاد بعض التظاهرات في سبتمبر 2019 احتجاجاً على وجود الشركات الصينية في البلاد، لدرجة تبني أحد الأحزاب السياسية – وهو الحزب التقدمي الجمهوري الزامبي – شعار “قل: لا للصين.
- هنالك أيضاً اتهامات بالعنصرية تلاحق الصين ولاحقت بكين خلال السنوات الماضية اتهامات بممارسة العنصرية ضد الأفارقة، فعلى سبيل المثال، نظَّم أحد المتاحف الوطنية الصينية معرضاً حمل اسم أفريقيا في متحف مقاطعة هوبي بمدينة ووهان الصينية في عام 2017، وعرض سلسلة من اللوحات تضمنت صورة تجمع بين شخص أفريقي وبعض الحيوانات، وهو ما أثار الاستياء من العنصرية ضد الأفارقة قبل أن تُزَال، وتجددت هذه
- الإشكالية بعدما نفذت حكومة بكين سياسات تمييزية ضد الجالية الأفريقية التي تعيش في مدينة قوانزو الصينية عند تفشي جائحة كوفيد–19 في عام 2020؛ حيث أظهرت بعض مقاطع الفيديو إجبار السلطات الصينية الأفارقة على ترك مساكنهم بالقوة، في حين لم تتعرض الجاليات الأخرى لمثل هذه الممارسات،وقد جاءت ردود الفعل الأفريقية غاضبة، حيث لجأ الأفارقة إلى التعبير عن استيائهم على وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام هاشتاج يجب أن تشرح الصين، وسلَّطت وسائل الإعلام الأفريقية الضوء على الأعمال التمييزية،وقد أجبر تصاعد الضغط الشعبي القادة الأفارقة على اتخاذ إجراءات غير مسبوقة، منها إدانة الحكومة الصينية علناً، حيث أدان العديد من السفراء الأفارقة لدى بكين التمييز الذي واجهه الأفارقة، وطالبوا بوقف الاختبارات القسرية والحجر الصحي والوضع غير الإنساني للأفارقة. علاوةً على ذلك، تعرَّض العمال الصينيون في بعض البلدان الأفريقية للتضييق والأعمال الانتقامية.
- ويتباين موقف النخبة السياسية الأفريقية من الوجود الصيني في أفريقيا، فلا ينظر جميع القادة الأفارقة إلى التحركات الصينية بإيجابية، إذ يحذر البعض من الشروط الاقتصادية والتجارية الصينية التي تعكس تبني بكين دينامية استعمارية جديدة في القارة، ويدلل على ذلك حصولها على المواد الخام من البلدان الأفريقية ثم إعادة بيعها مرةً أخرى إليها في هيئة سلع مصنعة، وهو ما يعتبره البعض جوهر الاستعمار،وتروج العديد من القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، هذا الطرح حتى إنها تصف الصين بالقوة الاستعمارية الجديدة في أفريقيا.
- وفي الوقت الذي تخفق فيه الحكومات الأفريقية في تقديم الخدمات الاجتماعية في مناطق عدة في بلدانها، يأمل الأفارقة، في كثير من الأحيان، أن يكون جزء من اتفاق الصين موجهاً لبعض الخدمات الاجتماعية، مثل المدارس والعيادات والإسكان وغيرها، خاصةً في المناطق الفقيرة النائية، بدلاً من التركيز بدرجة كبيرة على المعدات والمرافق فحسب، إلا أن الشركات الصينية عادةً ما تستثمر بقدر محدود في البنية التحتية الاجتماعية في القارة و كذلك التشكيك في جدوى المشروعات الصينية وشروط التعاقدات وتثار تساؤلات عدة حول جدوى البنية التحتية التي تنفذها الصين في دول القارة؛ ففي عام 2011، تسببت الأمطار في جرف جزء كبير من طريق لوساكا–تشيروندو الذي شيَّدته إحدى الشركات الصينية بعد فترة من تأسيسه في زامبيا، كما أثار تأسيس الصين ملعبَين كبيرَين في العاصمة لوساكا استهجان الرأي العام الزامبي حول الفائدة من تلك المشروعات.
- وألغت عدد من الدول الأفريقية العديد من العقود مع الشركات الصينية بسبب الأداء السيئ لها، وكذلك شروط العقود الخاصة بالمشروعات؛ فعلى سبيل المثال، قضت محكمة كينية العليا في يوليو 2021 بإلغاء عقد بقيمة 3.2 مليار دولار بين كينيا والصين لبناء خط سكك حديدية، بعدما وصفت المشروع بأنه غير قانوني، كما دعا الرئيس “فيليكس تشيسيكيدي” رئيس الكونغو الديمقراطية، في سبتمبر 2021، إلى مراجعة عقود التعدين التي سبق توقيعها مع الصين في عام 2008؛ بهدف الحصول على صفقات أكثر عدلاً لبلاده.
نواصل


