آخر الأخبار

عودة الجامعات إلى مقارها ، ضرورة أم ركوب رأس؟

نحن مع عودة العاصمة لطبيعتها ، ونحن من أكثر الناس الذين يتمنون أن تعود عاصمة بلادنا إلى نفسها ، وأن تعود إليها الجامعات والطلاب والأساتذة ، وتفتح شوارعها ، وأبوابها للحياة من جديد ، فعودة الجامعات إلى مقارها الأصلية هي عودة الدولة إلى ممارسة شيء من حياتها الطبيعية ، ولكن هل تهيأت الظروف التي تجعل العودة ممكنة ؟ .

قرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بإلزام مؤسسات التعليم العالي بالعودة إلى مقارها الأصلية ، وإغلاق المراكز الخارجية والمؤقتة ، وذلك بعدم السماح للمؤسسات المخالفة لهذا القرار بقبول طلاب جدد في العام الدراسي 2026–2027 ، قد يبدو في ظاهره قرار حاسم وحازم ، وهذا الحزم مطلوب في بعض الأحيان ، ولكن إذا لم يرافقه قدر من النظر إلى الواقع ، فقد يتحول من وسيلة لتنظيم الحياة إلى سبب في تعقيدها .

ونحن نتساءل ماذا قدمت الوزارة لهذه الجامعات حتى تعود ؟ ، فالجامعات تريد إعفاءات جمركية لتكملة نواقصها من المعدات ومُعينات الدراسة .. وهل عادت الكهرباء؟ ، وهل تأهلت البنية التحتية؟ ، وهل تم اصلاح القاعات والمعامل والمكتبات والمكاتب التي طالها التخريب الممنهج ؟ ، وهل عادت الخدمات الأساسية إلى الحد الأدنى الذي يسمح للجامعة باستقبال آلاف الطلاب ؟ ، وهل هذه المؤسسات قادرة على أن تبدأ من جديد دون أن تُمنح فرصة لاستيراد ما فقدته في الحرب ، لإعادة ترتيب أوضاعها؟ .

من المؤكد ان الجامعات التي خرجت من الحرب ليست هي تلك الجامعات التي كانت قبل الحرب . فكثير من مؤسسات التعليم العالي فقدت مباني ، ومعدات ، ومعامل ، وأثاث ، ووثائق ، ووسائل تعليم ، وبعضها فقد ما فقد من كادره وطلابه وموارده ، فهل يكفي أن نقول لها عودي إلى مقرك الأصلي ، وكأن الحرب كانت عبارة عن عطلة صيفية وانتهت ؟ ، هذا أمر غريب وعجيب … ثم هناك طرف آخر في هذه المعادلة ، وهي أسر الطلاب ، فما بها ، وما عليها من ظروف .. يعلم بذلك الله وحده .

الجامعات في حقيقة الأمر ، يمكن أن تكون من أكبر القوى التي تدفع الأسر إلى العودة إلى العاصمة ، فإذا فتحت الجامعة أبوابها ، وعاد الطلاب ، وعاد الأساتذة ، وعادت حولهم حركة الحياة من سكن ، ومواصلات ، وأسواق وخدمات ، فهذا أمر إيجابي لا ينبغي الاستهانة به أبداً في مشروع تعافي العاصمة .

ولكن العودة ليست هي قرار يصدر في ورقة ، وممهور بتوقيع القلم الأخضر ، لأن النزوح الذي حدث للشعب السوداني ليس قصة واحدة ، فهناك أُسر خرجت من منازلها وما زالت منازلها قائمة ، وهناك أُسر فقدت منازلها بالكامل وفقدت معها كل شيء ، وهناك من يحتفظ بمدخراته ومصادر دخله ، وهناك من خرج من الخرطوم ولم يحمل معه إلا ما كان يرتديه ، وهناك أُسر تستطيع أن تدفع كلفة العودة والسكن والمواصلات ، وأخرى لا تستطيع حتى أن تدفع إيجار غرفة واحدة مع هذا الغلاء الفاحش ، فكيف نطلب من الجميع العودة في موعد واحد ، وبالطريقة نفسها ؟ .

سيدي وزير التعليم العالي والبحث العلمي .. ليس من العدل أن نتعامل مع النازحين وكأنهم جميعاً في ظروف واحدة ، لأن بعض الأسر تريد العودة فعلاً ، ولكنها لا تملك معينات العودة ، وليس لها منزل ، ولا أثاث ، ولا عمل ، وليس هنالك ضمان بأن الخدمات التي تحتاج إليها الأسرة قد عادت إلى المستوى الذي يسمح لها بالعيش الكريم .

والخطير في هذا الأمر أن يتحول إلى ضغط على الطلاب ، فماذا يفعل الطالب الذي لا تستطيع أسرته العودة ، وماذا نفعل معه نحن ؟ ، هل يصبح مستقبله الأكاديمي رهينة لظرف أسرته المالي ؟ ، وهل من المنطقي أن نعاقب الجامعة بمنعها من قبول طلاب جدد ، بينما قد يكون معظم طلابها غير قادرين على العودة ؟ .

نحن لا ندعو إلى بقاء الجامعات خارج السودان إلى الأبد ، ولا نريد أن تتحول المراكز المؤقتة إلى واقع دائم ، بالعكس فالجامعة مكانها الطبيعي داخل السودان ، والخرطوم يجب أن تستعيد جامعاتها ومؤسساتها ، ولكن استعادة الخرطوم لا تتم بالقرارات وينتهي الأمر على ذلك ، ولكن يأتي ذلك بحزمة من التهيئة على الأرض التي ستقف عليها هذه القرارات .

ولذلك ربما تحتاج الوزارة إلى أن تنظر إلى قرارها باعتباره خطة عودة تدريجية وليس موعد نهائي ، فمن الممكن ان تمنح الجامعات والكليات فترة أطول ، وفق جداول زمنية واضحة ، ويحب تقييم جاهزية كل مؤسسة على حدة ، ويمكن السماح بالتدريس الإلكتروني أو الهجين خلال هذه المرحلة الانتقالية ، إلى أن تكتمل النواقص الأساسية وتظهر حالة التعافي على مؤسسات التعليم العالي ، ويمكن أن تكون هناك معايير واضحة ، ولو الحد الأدنى من البنية التحتية ، وسلامة المباني ، وتوفر الخدمات ، والاهم من كل ذلك جاهزية المعامل ، والقدرة على استيعاب الطلاب ، ثم تأتي بعد ذلك العودة الكاملة .

أما أن نقول للجميع : (موعدنا معكم الأول من أغسطس ، وهو آخر موعد ، ومن لم يعد فلن يُقبل له طلاب جدد) ، فهذا يشبه أن تقول لرجل : (عليك أن تقطع النهر سباحة) ، دون أن تسأله : هل تجيد السباحة ؟ ، وهل حالته الصحية تسمح لك بذلك ؟ ، وهل يمكن قطع هذا النهر بهذه السهولة ؟ ، فالعودة إلى الخرطوم مشروع وطني بامتياز ، وليست مسابقة في تنفيذ المواعيد .

والأُسر التي ستعود يجب أن تعود لأنها وجدت ما يشجعها على العودة ، وليس لأنها خضعت للضغط الذي مارسته الوزارة عليها ، لأن هذا القرار سيؤثر في مستقبل أبنائها ويقودهم إلى الضياع إذا لم تتمكن من العودة في الموعد المقطوع من قبل الوزارة ، وكذلك مؤسسات التعليم العالي يجب أن تعود وهي قادرة على أداء رسالتها ، وليس أن تعود لتكتشف أن القاعات موجودة بالاسم ، بينما لا يتوفر للعملية التعليمية ما يكفي لممارستها .

نحن مع عودة الجامعات ، ومع عودة الطلاب ، ومع عودة الخرطوم كلها ، ولكننا نريد عودة تليق بالناس الذين أنهكتهم الحرب .

ولا نريد عودة شكلية ، ولا نريد قرار إرتجالي يُقال فيه : (علي بالطلاق ، تعملوا كذا) ، بينما صاحب القرار لا يرى تفاصيل الحياة التي يعيشها الناس في الشتات .

فالوزارة يهمها مستقبل الطلاب ، والجامعات تهمها أوضاع الأُسر ، والأُسر تتمنى العودة والاستقرار ، ولكنها لا ولن تستطيع أن تتحمل وحدها فاتورة العودة .

المطلوب قرار عقلاني ومرن ، ويجب أن تعلم الوزارة أن العودة بعد الحرب لا تكون البدايات من الصفر فقط ، فبعض الجامعات والكليات والأُسر ستبدأ من تحت الصفر .

فإذا كانت الغاية هي إعادة الحياة إلى الخرطوم ، فلنبحث أولاً عن الطريق الذي يجعل الناس قادرين على العودة إليها والاستقرار فيها ، وعندها لن تحتاج الوزارة إلى مثل هذا القرار .

نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى