آخر الأخبار

السودان أولًا.. يا سودانيين

دخلت الحرب السودانية عامها الرابع، وطال بها المقام حتى تبدلت الأسئلة، ففي بدايتها كان الناس يحصون المدن التي تتغير عليها السيطرة، ثم صاروا يحصون البيوت التي خلت من أهلها، والأسر التي تفرقت، والمدارس التي أغلقت أبوابها، وأصبح السودان نفسه هو السؤال الأكبر، وما يبقى من وطن أنهكته البنادق أكثر مما أنهكته السياسة.
‏منذ الاستقلال، عرف السودانيون كيف يختلفون أكثر مما عرفوا كيف يديرون اختلافهم، توالت الأحزاب والمدارس السياسية والانقلابات والتحالفات، وتغيرت الأسماء وبقيت العلة ذاتها، كل فريق يحمل تصورًا كاملًا للوطن، ثم يضيق التصور كلما اتسعت البلاد، حتى صار السودان في بعض مراحل تاريخه أوسع من خيال الذين يتنافسون على حكمه.
‏والحرب الحالية كشفت هذا الخلل بأقسى صورة، فقد تجاوز الخلاف حدود السياسة ودخل البيوت والصداقات والقبائل والمنابر، وصار الموقف السياسي بطاقة تعريف اجتماعية، وهذه أخطر مراحل النزاع، لأن السياسة تحتمل تبدل المواقف، أما المجتمعات التي تفقد قدرتها على العيش مع اختلافها فتدفع الثمن أجيالًا طويلة بعد أن تصمت المدافع.
‏أكتب من المملكة العربية السعودية، ومن هنا تبدو الصورة أكثر بساطة، فالسودانيون من دارفور وكردفان والشرق والشمال والجزيرة والنيلين الأبيض والأزرق يعملون في المؤسسات نفسها، ويسكنون المدن نفسها، ويتبادلون الواجب في الأفراح والأتراح، ويكتشف المرء كل يوم أن المسافة بين السوداني والسوداني أقصر كثيرًا من المسافة التي صنعتها السياسة بينهما، وأن الحياة اليومية أكثر حكمة من كثير من المنابر.
‏هذه التجربة وحدها تكفي لتقول إن السودان يملك ما يحتاجه للعودة إلى نفسه، فالوطن أوسع من حزب، وأثقل من جماعة، وأعمق من أن تختصره جماعة سياسية أو عسكرية، والمطلوب اليوم كلمة سواء تحفظ الدولة، وتصون حياة الناس، وترد للمؤسسات معناها، وتمنح السياسة مكانها الطبيعي بوصفها أداة لإدارة الاختلاف، وتفتح الطريق أمام السودانيين ليختلفوا في الحكم والاقتصاد والدستور والتحالفات داخل وطن متفق على بقائه.
‏لقد دفع السودان فاتورة باهظة من الدم والتعليم والاقتصاد والهجرة والذاكرة، وأصبح محتاجًا إلى قاموس جديد فيه دولة ومواطنة وإعمار وتعليم واستثمار ومصالحة، وهذه الكلمات قد تبدو أقل إثارة من لغة الحرب، لكنها أكثر قدرة على صناعة المستقبل، ويكفي السودانيين اليوم اتفاقهم على السودان، فكل ما بعده قابل للنقاش، أما الوطن فهو المساحة التي ينبغي أن يبقى فيها الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى