العودة للمفاوضات (١)

العودة للمفاوضات (١)
بقلم :يوسف عبد المنان
منذ انفضاض جلسة المفاوضات الأخيرة قبل عامين من الزمان وتسرب مياه كثيفة تحت جسور الحكومة والحركة الشعبية معا عادت الأطراف أمس إلى الوعي بضرورة الحل السلمي لقضايا السودان وإقليم جبال النوبة وربما خلال هذه الفترة الطويلة قرأ الحلو وشمس الدين كباشي كتاب (عودة الوعي) لتوفيق الحكيم حيث قاد الرجلين بصورة مفاجئة مفاوضات اليوم الواحد والتي أفضت للاتفاق على تسيير المساعدات الانسانيه لشعب يتضور جوعا ويمشي على حافة الهاوية دون السقوط في لجتها
عادت اليوم لفندق براميد وسط عاصمة الجنوب التي أغلقت الأسواق متاجرها والمدارس أبوابها احتفالا بالذكرى ال41لتاسيس الجيش الشعبي في 16 مايو من عام 83ولهذه الذكرى إثر عميق في نفوس الجنوبيين وهم ينهضون بدولة من رماد الحروب الطويلة ولجنا في التاسعة من الصباح قاعة في الطابق الأرضي من فندق فخيم تتمنى أن تشاهد مثله في الخرطوم بقية عمرك وضجيج الزوار والتجار والعمار والسواح وألعابرين من أطراف الدنيا لاعماقها يمرون من هنا ويتكاؤون ويستريحون ريثما يواصلون الترحال دخل الوفد الشعبي لجبال النوبة والنيل الأزرق وغرب كردفان يتقدمهم الدكتور حسن عبدالحميد النور بجبابه الأبيض ومركوب النمر وعمامته ويتوكا على عصاة وهو في عز الشباب وحسن يجمع بين الإدارة الأهلية والأستاذ الجامعي والبرلماني السابق و
جاء وفد الحركة الشعبية بقيادة الأمين العام للحركة عمار امون الرجل الذي أسقط إبراهيم نايل ايدام من قمة جبل النتل في الانتخابات الأخيرة يقود وفدا يطغى عليه العنصر الشبابي اكبرهم عادل شالوكا وقمر ضلمان ومزيج من النساء والشباب الذي درس في أروبا وشرق أفريقيا ولم ياكل المجو مجو ولم يرقص الكرنق ولم تكتحل عيناه بسبر النتل وليالي اللوبا وموسيقي المورو ولكنهم يحلمون بجبال النوبة يصمت فيها صوت السلاح للأبد وجاء وفد حكومة السودان بقيادة اللواء يسين إبراهيم وزير الدفاع الذي اكتشف نفسه وقدم أداء لرجل دولة جدير بالاحترام وكان خطابه أمس في غاية الروعة والمسؤولية وصفقت إليه القاعة بحرارة شديدة
غياب عربي وحضور مصري
رغم الدعوة التي وزعتها حكومة الجنوب على السفارات الأجنبية بجوبا وتزامن جلسة افتتاح مفاوضات السلام مع احتفالية الجيش الجنوب سوداني بعيده الواحد والأربعين جاء السفير البريطاني والنرويج وإثيوبيا ويوغندا وكينيا وزمبابوي وجنوب أفريقيا مما يعكس اهتمام الأفارقة بالشأن السوداني ولكن الحضور العربي في القضية السودانية كان باهتا باستثناء مصر التي كانت حاضرة مما يؤكد كل يوما بأن مصر ماتخلت عن السودان في الوقت الجهام وكان سفيرها وقنصلها وحدهم يمثلون عربا تعلقت بهم قلوب أهل السودان ولم يحصدون منهم غير الاسي والموت الذي ترسل دولة الإمارات العربية المتحدة أدواته كل يوما
مخاطبات ومواقف توت قلواك
ابتدر احتفالية المفاوضات الوزير الوسيم ضيو مطوك بكلمة رزينه وجهها إلى الفرقاء السياسيين في السودان والي السفراء الأجانب بلغة انجليزية نظيفة من الأخطاء طالب الطرفان بالنظر لواقع الأزمة التي يعيشها الشعب السوداني والمناطق الثلاثة ودار فور والجزيرة وقال ضيو مطوك وزير الاستثمار ومقرر الوساطة التي يقودها المستشار توت قلواك أن هناك أمل لاستغلال الفرصة الراهنة وتحقيق السلام ووصول المساعدات للشعب السوداني بما يحقق الاكتفاء من حاجته الحالية ودعا الوفدين للعودة لإكمال ملفات السياسة والترتيبات الأمنية وصولا لاتفاق سلام شامل
من جهته بدأ عمار اموم كلمته بتحية حكومة جنوب السودان المستضيفة للمفاوضات وخص الرئيس سلفاكير ميارديت وقال إن الجلسة للتفاوض حول وثيقة وقف العدائيات لتمرير الإغاثة لجنوب كردفان وغرب كردفان والنيل الأزرق وقال لقد استعصي حل مشكلة الحرب في السودان لمدى 69 عاما وخضنا حروب بلا معنى وكل الاتفاقيات التي يتم توقيعها لاتحترم وحكومات الخرطوم تعمل جاهدة للتجزئة في الحلول واليوم تعيش بلادنا واقع أكثر مأساوية في الخرطوم والجزيرة ودار فور وكل هذه المناطق تحتاج إلى إغاثة لأن المواطنيين يعانون بشدة وتقع عليهم انتهاكات وشكلت الجزيرة وماساتها حضورا في ساحة التفاوض حيث جاء الحديث عن ماساتها على لسان قائد الحركة الشعبية والمستشار توت قلواك
وبدأ الفريق يسين إبراهيم وزير الدفاع هو شخص بليغ وعميق في رؤيته ومتواضع جدا لكنه ظل في السنوات الماضي بعيدا عن دائرة الضوء فظلم نفسه ومنصبه الرفيع بدأ بشكر حكومة جنوب السودان وقيادتها الحكيمة وحيا احتفالية جيش الجنوب بعيده الحادي والأربعين وأثنى على قبول الحركة الشعبية دعوة الحكومة على مبادرتها لوقف العدائيات للأغراض الإنسانية وقال إن توصيل المساعدات الإنسانية أمرا متفقا عليه لإغاثة جنوب وغرب كردفان والنيل الأزرق وكل مناطق سيطرة الحكومة والحركة الشعبية لذلك تقدمنا بمقترح وقف العدائيات وفقا لاتفاقيات جنيف ونحن الآن يجب علينا بحث الآليات الأكثر فاعلية
لتوصيل المساعدات الإنسانية وجئنا بقلب مفتوح للتجاوب مع أي مقترحات من الحركة الشعبية للوصول لتوقيع الاتفاق ولما كنا على مشارف الوصول لاتفاق نهائي نتطلع ليساعدنا المجتمع الدولي في تقديم المساعدات للمواطنين
وبلغة صارمة رغم بشاشته وحميمية حديثه حزر الفريق توت قلواك مستشار الرئيس سلفاكير لشئون الأمن الطرفين من المذايدات السياسية التي تعطل هذا الاتفاق المرتقب وقال توت بحزن عميق السودان تدمر وشرد شعبه واصبح يواجه مشاكل في الحصول على الغذاء والدواء وقال كفاية حربا كفاية دمارا ويجب أن يتجه السودان للتصالح والتعافي الوجداني ولأننا شعبا واحدا في بلدين أصدر الرئيس سلفاكير ميارديت قراراته مع بداية الحرب في السودان أن يفتح الجنوب قلبه وارضه للشماليين بلا وثائق ثبوتية لأنهم مواطنين ارغمتهم الحرب للجوء للشق الآخر من البلد وبدأ توت قلواك واثقا من نجاح الجولة الحالية من المفاوضات
من جهة اخرى دخلت الوفود في اجتماعات مشتركة في مناخ يخلو تماما من المشاحنات السابقة وكان مقررا ومتفقا عليه بين الفريقين شمس الدين كباشي والحلو أن يتقدم كل طرف بورقة حول ملف توصيل المساعدات ولكن الحركة ربما بحسن نيه تركت لوفد الحكومة تقديم ورقته وإبداء ملاحظات حولها مما أدى لرفع الجلسة من اليوم لغدا الجمعة لرد الحكومة على الملاحظات التي ابدتها الحركة في وقت يؤكد الوسيط الجنوب سوداني أن الاثنين القادم هو الموعد المنتظر للتوقيع على الاتفاق الإنساني بحضور الرئيس الفريق البرهان والفريق سلفاكير ميارديت الذي يهتم كثيرا بهذا الملف
وصول الفريق شمس الدين كباشي لجوبا
وصل صباح الخميس الفريق شمس الدين كباشي صاحب مبادرة توصيل المساعدات الإنسانية إلى جوبا وسط احتفاء كبير جدا من حكومة الجنوب واهتمام كبير بقدومة الذي يشكل دفعة كبيرة لمسار التفاوض باعتبار المرجعية النهاية لوفد الحكومة أصبحت قريبة من غرف التفاوض مثلما يشكل وجود عبدالعزيز الحلو في جوبا وقربه من التفاوض دليل آخر على جدية الحركة في التوقيع لأول مرة على اتفاق مع حكومة الفترة الانتقالية حيث مانعت الحركة الشعبية في المرات السابقة من التزحزح عن الرفض ولكن الاختراق الذي أحدثه القائدين شمس الدين كباشي والحلو قد حطم جدار عدم الثقة المسدود.


