رأي

القضارف: حيث تلتقي وفرة المياه، النزوح، و العطش

القضارف: حيث تلتقي وفرة المياه، النزوح، و العطش

مكي المغربي السودان

يشكل عدد اللاجئين و النازحين داخلياً حوالي 25% من إجمالي سكان ولاية القضارف. وتشير أحدث الأرقام الصادرة عن الحكومة السودانية إلى أن عدد سكان القضارف يبلغ 2.2 مليون نسمة.

تقع ولاية القضارف في الجزء الشرقي من السودان وتشترك حدودا دولية مع إثيوبيا من الشرق. و تتميز الولاية بمساحات زراعية شاسعة و أنشطة زراعية مطرية واسعة النطاق.

تقدر الأمم المتحدة و الوكالات الدولية عدد اللاجئين في القضارف بنحو 115,000 شخص، و لكن هذا الرقم كان قبل حرب تيغراي في إثيوبيا. تشير التقديرات إلى أن هذا الصراع أدى إلى زيادة عدد اللاجئين بنحو 50,000 شخص. كما تشير التقديرات إلى أن الصراع المستمر في الخرطوم والذي بدأ في أبريل 2023، أدى إلى نزوح حوالي 280,000 نازح في المنطقة.

أدى هذا الارتفاع في عدد السكان إلى زيادة الاحتياج إلى المياه. يتركز النازحون في المدن والأحزمة المحيطة بها، و في المعسكرات الحدودية؛ مناطق تعاني بالفعل من نقص مياه الشرب، و يزداد الوضع سوءاً كل يوم مع استمرار موجات النزوح.

يمثل هذا وضع معقد حيث يقول خبراء أمنيون مثل عبد السميع دفع الله إن الحل يبدأ بادارة الموارد المائية. و أضاف شارحا: “إن

إحدى أكبر مشاكل إفريقيا هي أن الصراع على الموارد الطبيعية يؤدي إلى توترات بين الدول وداخلها، و من ثم يؤدي التوتر إلى الحرب و النزوح، و هذا يؤدي مرة أخرى إلى أزمة في الموارد الطبيعية من خلال الاستغلال غير العادل، وخاصة المياه”.

بحسب دفع الله، فإن القضارف تشهد جفاف موسمي للآبار في بعض المناطق رغم توفر مياه الأمطار في مناطق أخرى، وأرجع ذلك إلى قلة مشاريع حصاد المياه التي تساعد على إعادة ملئ الخزانات المائية.

تقول أم الحسن التي نزحت من الخرطوم مع أطفالها الثلاثة بسبب الحرب: “وجدنا الناس يعانون من أجل المياه و نستخدم معهم مواردهم الشحيحة، وأحياناً نسير لمدة ساعتين للحصول على مياه الشرب.

مع ذلك، لم نفقد كل الأمل. “في الوقت الحالي، تحسنت الأمور قليلاً بسبب وصول خزانات المياه إلى المنطقة.

وتضيف أم الحسن: “إن الناس من السودان وإثيوبيا يتقاسمون المياه المتاحة”.

يتكون شرق السودان من ثلاث ولايات: القضارف وكسلا والبحر الأحمر، كلهت تشهد اشتباكات على المياه، خاصة بين الرعاة والمزارعين في موسم الجفاف، لكن وضع القضارف أسوأ بسبب موجات اللاجئين والنازحين داخليا.

يؤكد المحللون أنه إذا لم يكن هناك تعاون في تنمية الموارد المائية، فسوف يستمر الصراع و النزوح، و لن تنتهي الحلقة المفرغة من “العطش والصراع والنزوح” أبدا.

تدخل مبادرة حوض النيل يوفر شريان الحياة

يتشكل التعاون بين السودان وإثيوبيا من خلال “مشروع طبقة

المياه الجوفية القضارف – أديغرات” الذي يمثل “ضوءًا ساطعًا في نهاية النفق”. تم إطلاق هذا المشروع من خلال مبادرة حوض النيل (NBI) الذي يعول على الادارة السودانية الإثيوبية المشتركة.

يقول المهندس عثمان مصطفى – المدير التنفيذي لوزارة الري والموارد المائية السودانية إن السودان لديه توقعات ايجابية كبيرة للمشروع. و أوضح أن المشروع سيوفر مصادر مياه مستقرة للتنمية المتكاملة للأهالي على جانبي الحدود.

بصرف النظر عن المياه، فهو متفائل بأن هذا المشروع سيعمل أيضًا على تحسين التعاون بين البلدين، و ينشئ شبكات مشتركة لمراقبة المياه، و تقييم الموارد المائية، و اشراك أصحاب المصلحة في تنفيذ المشروع ومراقبته.

يقول الخبير الأمني عبد السميع، الذي شغل سابقًا منصب معتمد الفشقة، وهي محافظة حدودية – شهدت حربًا لفترة من الوقت – إن التعاون هو الحل لأن نقص المياه والصراعات في دولة واحدة لا يمكن أن تتوقف إذا استمرت في الدولة المجاورة.

وقال عبد السميع: “لا يوجد عملياً أي فرق بين صراع داخلي وصراع عابر للحدود، لأن اندلاع صراع على الماء أو الأرض يعني انتشار السلاح الذي تتسع منه حلقة النار”.

و وفقا لمصطفى، هناك بعض الجوانب الفريدة في هذا المشروع. يقول مصطفى: “لقد كان لي شرف المشاركة في تطوير الوثائق الأساسية نيابة عن السودان، والأمر الجميل حقًا في المشروع هو أنه يؤكد على دور المرأة، لأنها المستخدم الأساسي للمياه”.

وفقًا لمبادرة حوض النيل، فإن طبقة المياه الجوفية القضارف-أديغرات تتقاسمها إثيوبيا والسودان وتمتد على مساحة 52 كيلومتر مربع؛ 27 منها موجود في إثيوبيا و24 كيلومتر مربع موجود في السودان. تعتبر طبقة المياه الجوفية القضارف-أديغرات واحدة من

طبقات المياه الجوفية الثلاث العابرة للحدود التي تم اختيارها كدراسة حالة في إطار مشروع المياه الجوفية التابع لمبادرة حوض النيل الذي يسعى إلى تعزيز الإدارة المشتركة لموارد المياه السطحية و المياه الجوفية في طبقات المياه الجوفية المختارة العابرة للحدود.

المشاريع الأخرى العابرة للحدود المختارة هي كاغيرا التي تغطي بوروندي، رواندا، تنزانيا، و أوغندا. حوض جبل إلجون للمياه الجوفية الذي يستفيد منه كينيا وأوغندا.

تأكيد مبادرة حوض النيل على هذا المشروع هو مبني على فرضية أن المياه الجوفية، كما هو الحال في أماكن أخرى، تعد موردًا حيويًا في حوض النيل حيث يعتمد عليها حوالي 70% من سكان الريف ليس فقط للاستخدام المنزلي و لكن أيضًا لسقي الماشية. “هناك أيضًا استخدام متزايد للمياه الجوفية في الأنشطة الاقتصادية مثل الري و التعدين و الصناعات. و مع الطلب المتزايد بسرعة على المياه السطحية، الذي سيتجاوز المتاح قريبا، تحمل المياه الجوفية الوعد بسد الفجوة بين العرض والطلب على المياه وفي تخفيف آثار تغير المناخ وتقلبه.

ذكرت ورقة حقائق مشروع مبادرة حوض النيل أن أحد العوائق التي تحول دون الاستخدام الفعال والحماية التي يتعين على المشروع معالجتها هو “اختلافات السياسات بين إثيوبيا والسودان”. و مع ذلك، من المتوقع أن يتم حل هذه المشكلة من خلال التعاون والحوار.

تقول السلطات المحلية بالقضارف أن هناك حاجة ماسة لمشاريع حصاد المياه ليس فقط للمياه و الزراعة، ولكن أيضا لتحسين الوضع الصحي. و أضاف: “المنطقة مليئة بالبرك و المياه الراكدة، مما يؤدي إلى تكاثر البعوض و تفاقم التلوث. و يلاحظ الأهالي أن ذلك يسبب أمراضاً، وحالياً جزء كبير من الميزانية يذهب لتنظيف ورش

برك المياه حول المدن والقرى.

و من المتصور أن يساهم هذا المشروع في تحقيق الخطة الاستراتيجية التنموية الخمسية لإثيوبيا والتي تؤكد من بين أمور أخرى على توسيع الري بالمياه الجوفية و تحسين امدادات مياه الشرب. بالنسبة للسودان، يدعم المشروع سياسة المياه السودانية و خطة الزراعة و الأمن الغذائي.

بيانات: إمدادات المياه اليومية المتاحة والطلب الفعلي في طبقة المياه الجوفية بالقضارف (2021)

مكي المغربي كاتب صحفي في الشؤون الإفريقية، يمكن التواصل معه عبر البريد الإلكتروني elmograbi@gmail.com والواتساب +249912139350

This article was supported by InfoNile with funding from Nile Basin Initiative.

زر الذهاب إلى الأعلى