الشعب السوداني: حيران الأسئلة و واقعية الأجوبة و إجترارات الحلول…”1″

الشعب السوداني: حيران الأسئلة و واقعية الأجوبة و إجترارات الحلول…”1″
بقلم : د. عبدالرحمن السلمابي
مقدمة:
الشعب السوداني بكل جماله و صفات أخلاقه الفاضلة صار في حيرة التوهان و غياهب الضياع من جراء ما تفعله به النخب المفروض فيها الإستنارة الفكرية و التعليم الأعلى سواء السياسية أو العسكرية … فمازلت تعمي أبصارها و قلوبها عنه في صراعاتها المستميتة من أجل حصولها على كراسي السلطة لحكم هذا الشعب الذي في نظرهم كالقطعان … صراع ظل دائر في حلقة مفرغة من محاولة البعض المستمرة لإجتثات كل طرف للآخر تارة بين السياسيين و تارة بينهم البعض أو بين العسكر … ثم الآن بين العسكر المنقسمين أنفسهم من والاهم من أهل السياسة . و للأسف الضحية هو الشعب السوداني و مكتسباته و مكتسبات الوطن …
لذلك هنالك الكثير من الأسئلة تحتاج إلى إجابات تقود لغاية الوصول للحكم الراشد الذي صارت الحاجة إليه في أمسها للخروج من هذه المهالك و ربما المهازل في عبث مسرح السياسة الماثل …
و لعل من أهم متطلبات الحكم الراشد هو إتباع الحكمة في التعامل معه …
و الحكمة قد تعني لنا ما عرفه الفرنجة و قدماء الأغاريق بالفلسفة أو الفلسفة المعرفية … و لعل فيما يلي أفضل أنواع الحكم للشعوب هو ما توصل إليه قدماء الفلاسفة الأغاريق أمثال سقراط و أفلاطون و أرسطو منذ آلف السنين حيث أوضحوا أن أفضلها عندما ” *يصير الفلاسفة حكام أو الحكام فلاسفة “* و الأخيره أقرب للتحقيق في عالمنا المعاصر حيث يكثر تقارب الحكام للفلاسفة و أصحاب المعارف المختلفة و حكماء القوم عبر توسيع الشورى و تكثيف التشاور و تعظيم الإستعانة بهم في سلطات الحكم …
و لو تمعنا النظر في مدى صدق نظريتهم لوجدناها ماثلة في بداية عهد سيدنا أبوبكر الصديق عندما تولى الحكم حين خطب في الناس “…وليت عليكم و لست بخياركم، فأن أحسنت فأعينوني و إن أخفقت فقوموني” … فقال سيدنا عمر بن الخطاب: “و الله لنقومنك بسيوفنا” … و ربما القصد ليس فقط بسيوف الحرب و إنما بسيوف الرأي و المشورة و الحكمة و حجة المنطق … و كذلك قد تدل على الشجاعة و صلابة الرأى ومقارعة الرأي الآخر بحيث شمولية المعرفة بالرماح و القرطاس و القلم … كما لقول الإمام الشافعي من حكمة في قوله: “رأي صواب يحتمل الخطأ و رأى الغير خطأ يحتمل الصواب” ،،،
و لعل هذا تبيان لعظمة الشورى و توسيع الآفاق و الفكر …
و هكذا كان حكم الفلاسفة و الحكماء الذي كانوا الخلفاء الراشدين و لعله يمثل أفضل أنواع الحكم كما حدثنا التاريخ …
و حدثنا القرآن الكريم عن قصص بعض أصحاب الملك العضود مثل فرعون الذي طغى و تجبر فكان يريد الشعب أن يريه ما يرى بأعينه فقط ،،، فكان يريدهم ان يغمضوا أعينهم و لايروا عري ملابسه و كشف عوراته و هو يسير بينهم …
و بالطبع كما قيل إن للسلطة و السلطان شيطان يلازمها فيزين لهم الباطل حقا و الخطأ صوابا و الظلم عدلا …
و قد أدرك الفرنجة و من بينهم البريطانيين ذلك و عدلوه منذ حوالي مايزيد عن قرنين من الزمان بأن الحكام و أصحاب السلطة الفعليين هم عامة الشعب و ليس الملوك بسلطان الحديد و النار و البطش و القهر … و قبل توقيع “الميثاق العظيم” بين الملك و الشعب كان كل ما يقولونه أو يفعلونه ملوكهم هو القانون بعينه … فإذا أشار فقط لجنده لأمتلاك أرض من أراضي الشعب أو قلعة من قصور النبلاء ،،، فكان ذلك بمثابة قانون المصادرة المباشر بغير عدل …
تنبه لآحقا علماء الفرنجه بفساد السلطة و خصوصا المطلقة حيث أشير إلى أنها “تفسد وحتما السلطة المطلقة تفسد مطلقا” …
لذلك قاموا بمنع إحتكارها في أيدى فرد أو نفر قليل من أصحابها و عملوا على توسيعها و تقسيمها إلى مجموعة سلطات صارت لاحقا أربعة هي: السلطة التنفيذية “و متلازماتها من أعمال السيادة” و السلطة التشريعية المنتخبة من عامة الشعب و السلطة القضائية المختصة بتحقيق العدالة على الجميع ،،، ثم سلطة الصحافة و الإعلام للمراقبة و المتابعة اللصيقة لصدق الأقوال و الأفعال …
و لعل حيرة الشعب تكمن في عجز نخبنا من الوصول إلى صيغ الحكم الراشد الذى يجنبنا كل المحن الواقعة علينا الآن … و لكن قد يكون من الأوفق أن نبحث عن مدى تطبيقه في فترات تاريخنا الحديث الذي يشمل حقبة الإستعمار البريطاني، و ما تلاها من حقبة الحكم الوطني بعد الإستقلال ، ثم اخيرا في الفترة عقب تاريخ الثورة الحالى في ٢٠١٩م حتى يومنا هذا … و لعل ذلك ممكن عبر إستدرار بعض من الأسئلة و الإجوبة الواقعية عليها لعلنا نجد فيها الكثير من الدروس و العبر التي تضئ لنا إشراقات المستقبل …


