رأي

البرهان.. غورباتشوف السودان؟ (2)

البرهان.. غورباتشوف السودان؟ (2)

بقلم :عمر باسان

البرهان، تم الدفع به إلى موقعه كرئيس للمجلس العسكري الانتقالي، بعد سقوط نظام البشير، من قبل ابن عوف واللجنة الأمنية، حاله كحال اللجنة المركزية للحزب الشيوعي التي دفعت بغورباتشوف الي سدة السلطة.

البرهان، بعد وصوله مقعد السلطة، وجد نفسه في وضع لا يحسد عليه، بين جموع ثائرة تمني نفسها بغدٍ أفضل، وأحزاب يسارية وعلمانية وجدت ضالتها في طليعة المشهد، تسعى بكل ما أوتيت من قوة للقضاء على خصمها التاريخي، من الاسلاميين، وسحقهم، بالإضافة إلى مجموعات أخرى من القوي السياسية التي تحاول أن تشق طريقها، وجدت نفسها في موقف لم تكن تتحسب له. بالإضافة إلى الحركات المسلحة التي طالما ناصبت النظام السابق العداء، والتي أعطتها اتفاقية جوبا وضعا مميزا داخل المشهد الجديد ما بعد البشير..

اللاعب الجديد الذي لم يكن موجودا خلال الانقلابات السابقة في تاريخ السودان، هو قوات الدعم السريع، التي أسسها النظام السابق، واستعان بها في معاركه ضد الحركات المسلحة في دارفور، ولكنها ظلت قوات تتبع للقوات المسلحة، قوات محدودة التأثير، والقدرات، والإمكانات، لا تتعدى مساحة حركتها ووجودها إقليم دارفور..

هذه القوات تزايدت أهميتها، وتصاعد تأثيرها، عندما استعانت بها اللجنة الأمنية في معركتها للانقلاب على نظام البشير، في ظل وجود جيش وقوات نظامية، من وجهة نظرهم، توالي الرئيس وحاضنته السياسية من الإسلاميين، وتم الزج بها في أتون المعركة السياسية، ووصلت قواتها إلى داخل العاصمة القومية، مما شكل بداية الصعود الصاروخي لها لمقاعد السلطة في البلاد.

البرهان، الذي كان يبحث عن تثبيت أركان سلطته الجديدة، سار على ذات النهج، في جعل قوات الدعم السريع قوة موازية للجيش السوداني، فسمح لها بما لا يسمح به القانون، الذي عدله، وأخرجها من دائرة التبعية للقوات المسلحة لتتبع له مباشرة، ودفع بقائدها ليكون نائبا له في مجلس السيادة، في خروج على كل ما هو مألوف في تاريخ السودان والانقلابات العسكرية.

استغل قائد الدعم السريع هذا الوضع الجديد، وسارع إلى تمديد نفوذه وتقوية سلطته، عسكريا، وسياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا. وتحولت هذه القوات من قوات لا يتعدى قوامها ٢٠ الفا من الجنود في أحسن الأحوال، إلى ما يزيد عن ١٥٠ الفا من الجنود والصباط، وتمكنت من الحصول على أسلحة نوعية، من مدرعات ودبابات، وإن كانت محدودة العدد، إلا أنها توضح حجم طموحات قائدها. وتناهي إلى سمع الجميع ابتعاث قائدها ضباطا للتدريب على الطيران، بالإضافة لامتلاكه منظومة اتصالات خاصة به، ربما تتفوق على ما تمتلكه الدولة وقواتها المسلحة.

كما سمح البرهان لهذه القوات بالتمدد داخل مؤسسات الدولة والانتشار فيها بحجة حمايتها. كما آلت إليها كل معسكرات هيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن والمخابرات، التي تم حلها بحجج واهية، وكل معسكرات الدفاع الشعبي، وكل دور المؤتمر الوطني، لتجد قوات الدعم السريع نفسها منتشرة في كل أنحاء السودان، وصارت تمتلك
أصولا وأفرادا ومعدات تضاهي ما لدي الجيش السوداني، تحت سمع وبصر البرهان، رغم الاعتراضات الجمة من قبل منسوبي الجيش، وصلت إلى حد الانقلاب عليه، كما حدث مع اللواء بكراوي.

استغل قائد الدعم السريع الضعف البائن في الحكومة المركزية، بشقيها العسكري والمدني، وتمدد عسكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فلا البرهان نجح في قراءة طموحات حميدتي، والحد منها، ولا حمدوك ورهطه أدركوا حجم التحولات الجارية في موازين السلطة والقوة، وعمدوا إلى إعادة ترتيبها، بل كان شغلهم الشاغل، وما زال معركتهم مع الفلول، فصاروا مثل دون كيشوت ومحاربته طواحين الهواء..

البرهان الذي وصل إلى السلطة، وفق معطيات معينة، رأى أنه جدير بها، وفق رؤية رآها والده، فهو قد انتمي إلى القوات المسلحة منذ بواكير أيامه، وتدرج في مراتبها، وتنقل بين مواقعها، بل كانت له طموحاته السياسية، حيث شارك في انقلاب رمضان، الذي قاده البعثيون ضد نظام الإنقاذ، ونجا بأعجوبة من الإعدام الذي طال زملاءه المشاركين في الانقلاب، دون أن تفصح أي جهة عن كيفية ذلك. وكذلك انضم البرهان للحزب الحاكم في إحدى محليات دارفور، وصار رئيسا للمؤتمر الوطني فيها، بحكم منصبه، قبل أن يعود مجددا إلى القوات المسلحة.

وخلال فترة عمله في دارفور تعرف على حميدتي، وصارت بينهما علاقة متميزة، ازدادت قوة من خلال إشرافه على القوات السودانية المشاركة في حرب اليمن. ترقى البرهان ليصل إلى منصب المفتش العام في الجيش السوداني، قبل أن يصل إلى موقعه الحالي، قائدا للجيش ورئيسا لمجلس السيادة..

البرهان وجد نفسه في خضم معارك سياسية، أعجزت الكثيرين من قبله، وبدأ مشواره في “حفر الإبرة” بالقضاء على أي مراكز قوى يمكن أن تؤثر على نفوذه أو تحد من سلطات. ووضع البرهان نصب عينيه إرضاء المجتمع الدولي، وربائبه بالداخل، ممثلة في قوي الحرية والتغيير (قحت)، فمنحها مكانة متميزة، قاسمتها فيه السلطة.

مارس البرهان السياسة بواقعيتها المقيتة، تقريبا لهذا، وإبعادا لذاك، وتقديم الوعود ومعسول الكلام للجميع بدون أي مترتبات عليها. وظل البرهان متحكما في توازنات القوي عبر تحالفات هشة، أفقدته ثقة الكثير من القوي السياسية المجتمعية. وتعرضت علاقته مع قحت لمتقلبات الدهر، وصولا الي ابعادها عن السلطة في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م.

قحت، التي كانت ترى في نفسها الممثل الشرعي لثورة ديسمبر، ما كانت لترضي بجزء من كيكة السلطة، بل ظلت تطالب بها كلها، خروجا على ما اتفقت عليه سابقا، وتكونت به حكومة حمدوك الأولى. واضطربت العلاقة مدا وجزرا بين الطرفين، إلى أن وصلت إلى ٢٥ أكتوبر، وما بعده إلى أن جاء الاتفاق الإطاري، الذي مثل قاصمة الظهر في العلاقة بين مكونات السلطة، ودخلت البلاد حرب الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣م.

فهل جاءت الحرب وما صاحبها من دمار وانتهاكات وتشريد للمواطنين ليعيد البرهان نظرته، ويحدد موطئ قدمه وما هية تحالفات ومعرفة خصومه؟ أم يمضي على ذات النهج في محاولات إرضاء الخارج وأعوانه أكثر من الداخل؟ على ذات نمط غورباتشوف في أيامه الأخيرة؟ والذي ما كان يظن أن يتخلى عنه الغرب وهو الذي قدم له الاتحاد السوفيتي على طبق من ذهب؟

ونواصل..

زر الذهاب إلى الأعلى