رأي

فيالق الحمقى

فيالق الحمقى
بقلم :الطيب فراج
* يُروى عن الكاتب الايطالي الراحل أُمبيرتو إيكو أنه قال يوما :(إن ادواتٍ مثل تويتر و فيسبوك منحت حق الكلام لفيالق من الحمقى ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد كأسٍ من الخمر دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع ، و كان يتم إسكاتهم فوراً . أما الآن فلهم حق الكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل . إنه غزو البلهاء) . .
* عزيزي أُمبيرتو لست أدري ما الذي كنت تعرفه عن بلدنا السودان في حياتك لكن فيالق الحمقى التي تحدثت عنها قد وصلت اليه الآن ، بيد أنها لم تعد تكتفي بلغو السكارى فقط بل تجاوزت ذلك و تسعى لحكم بلد أكبر من بلدك ذاتها ، تظاهرهم جماعات مسلحة من المخدرين و المخمورين و شذاذ الآفاق و هم سويا في ضلالتهم يعمهون .
* أما إن كنت ترى انه يحق لحملة جائزة نوبل الكلام فاسمح لنا بالإختلاف معك ، وإن كنا الآن أنا و أنت في عالمين مختلفين ، و ذلك في ما يخص شقها المخصص للسلام . فمن بين الذين يدعمون اولئك الحمقى ضد أمن بلدنا – و هم كثر – رئيس دولة جارة هو أحد الفائزين بجائزة نوبل للسلام . و لا أعلم من كان ينافسه عليها ولا الشروط التي تحققت في سيرته ولم تتحقق في منافسيه ، و لا أفعاله التي جعلته مقدماً على الآخرين كما رأت الجهة المانحة . فالرجل الذي يستضيف مقر الإتحاد الأفريقي لم يتمثل معانيه وأهدافه ويتآمر على مكوناته بينما تعيش بلاده حربا بين أقاليمها منذ سنوات امتدت لتخترق حدودها مع جيرانها و لم تعرف له حكمة تميزه و لا تاريخ نضالي او فكري يشفع له و مع ذلك تحمل سيرته الذاتية الآن انه (نوبلي) بينما هو يسعر الحرب تحت لافتة السلام .
* عموما عزيزي أُمبيرتو إن سيرة هذه الجائزة ليست محل رضاً او اتفاق مطلقاً ، فقد مُنحت من قبل لمناحيم بيجن و هو أمر بلغ المنتهى في الاستنكار و الاستهجان حينها . فالرجل كان رئيساً للكيان الصهيوني خبيث الذكر الذي اغتصب ارض فلسطين فشرد أهلها وأسس فيها دولته على دماء و أشلاء مئات الآلاف من أصحاب الحق و له في ذلك النصيب الأوفر من القتل و السحل إذ كان يقود عصابة الهاغانا التي يوثق التاريخ تفاصيل مذابح اقترفتها لن تنساها او تغفرها الإنسانية الحقة لا تلك المزيفة او المدعاة تحت لافتات المنظمات الوهم . هلك الرجل و المجازر لم تتوقف في حق أهل فلسطين يوما واحدا طيلة عقود الى يومنا هذا . مضى بيجن مع (نوبله) و لم يحل السلام .
* بيجن ليس وحده عزيزي أُمبيرتو فقد نالت الجائزة رئيسة وزراء ميانمار (بورما سابقا)عندما كانت تتقدم معارضة حكومة بلادها التي لم تكن على وفاق مع الغرب ، و الغرب كما كنت تعلم إصطلاح سياسي يعني أمريكا أولاً و توابعها في أوروبا . في ميانمار مجزرة و إبادة جماعية و حرائق مستعرة تأكل المسلمين الروهينقا منذ سنوات تتم بأيدي الأغلبية البوذية على مرأى و مسمع الأجهزة النظامية و الجيش و صمت الحكومة . لاحقا عندما بلغت حليفة الغرب المدللة رئاسة الوزراء بدفع منه وسند لم يتبدل شيء في مقتلة الروهينقا البشعة فقط تبدل الإشراف على المحرقة من رئيس حكومة مغضوب عليه الى رئيسة حكومة (نوبلية) مرضي عنها و لم يحل السلام !!
* أُمبيرتو الإيطالي ليس و حده ، فبين كتَّاب الغرب آخرون صدعوا بالحق و أبدوا تبرمهم مما آلت إليه أحوال العالم من انحطاط اخلاقي تحول إلى مشروع و رؤية للحياة محورها المتعة الآنية و الاستهلاك . . إستهلاك كل شيء .. فكل شيء تحول إلى سلعة تباع و تشتري و لا عزاء للمشاعر او الأخلاق كما خبرها الناس و سعى لتمكينها المصلحون عبر التاريخ ، فهي أيضا أُعيد إِنتاجها لخدمة تكثيف الاستهلاك كما أبدع في شرح ذلك و تقصيه الراحل د. عبد الوهاب المسيري و هو يكتب عن تشيئة الإنسان .
* خلال السنوات الخمس الأخيرة ذاع صيت كتاب (نظام التفاهة) للكاتب الكندي آلان دونو .. لقد كنا نظن ان التردي الأخلاقي أمر ينخر مجتمعاتنا دون سوانا إلَّا أنَّ دونو يرى أن العالم يسيطر عليه التافهون و يدلل على ذلك في صفحات كتابه بما يعرضه من أمثلة و قراءات في الواقع الماثل الذي تعيش فيه البشرية .
* يرى آلان دونو إن الإعلام جعل الأغبياء مشاهيراً و أغفل عن ذكر العلماء و المبدعين حتى صارت الفئة التي تتبوَّأُ أعلى المناصب هم الذين لا يفقهون شيئاً تحيط بهم مجموعة من التافهين الذين يزينون لهم ما يفعلون .
* و يستطرد دونو فيقول إن هنالك تافهون يعملون لتمكين نظام التفاهة لإنه يوفر لهم مكانة يعلمون أنهم لا يستحقونها و ليس في إمكانهم بلوغها في مجتمع سوي . كما هناك من أجبرتهم ظروف المعاش على تقديم خدماتهم للتافهين و لم يجدوا عن ذلك بديلا مما يجعلهم أيضا من الممكنين لنظام التفاهة .

* يؤرخ دونو لبروز نظام التفاهة بمطلع التسعينيات و يحمِّل الإعلام المسؤولية الأكبر في الترويج للتافيهين و تحويلهم الى قدوة .
* وإن كنت أتفق معه في ما قام و يقوم به الإعلام إلَّا أن الأمر عندي أبعد من ذلك إذ هو نتاج منطقي و موضوعي للنظام الرأسمالي الليبرالي الذي اتخذ من الحداثة فلسفة حياة و هو الذي يوجه الإعلام إلى حيث يريد ووفق غاياته .
* نظام التفاهة ليس ببعيد عن السودان فمنذ العام ٢٠١٩ أخذت معالمه تتجلى عندما احتكرت جماعات متماهية مع المشروع الليبرالي الغربي وأذنابه مفاصل السلطة و أبعدت كل من لا يتفق معها محمية بقوى دولية و إقليمية وفرت لها غطاء سياسياً فعكفت على تفكيك الجيش و إعادة صياغة مناهج التعليم و تغيير التشريعات الناظمة لقيم المجتمع و توجيه الإعلام ليروج لمفهومات زائفة ضالة عن الحرية و التغيير .
* تأملوا المشهد في السودان و لن يعجزكم تصنيف الأغبياء و التافهين و من يخدمون هذا و ذاك سعيا وراء لقمة عيش وإن كانت مغموسة في الدم .

زر الذهاب إلى الأعلى