رأي

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (34)

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (34)

بقلم:السفير عبد الله الأزرق
واشنطن (11)
خطة فصل الجنوب (ج)

في منتصف التسعينيات انتظمت لقاءات الخماسي: داقني، وفرانسيس، وداسيلڤا، وبرندرقاست، ووينتر في مطعم عطيل Otello المجاور لأكبر مركز لتجمع السحاقيات في واشنطن.
يجدر أن أشير إلى أن الاسم الحركي لفرانسيس في المجلس كان (الدبلوماسي). وكانوا يطلقون على برندرقاست اسم (العضو الوصيف) Member in Waiting إذا صحت ترجمتي.
وحتى لا ينفرط عقدهم كان وينتر لا يرضى انتقاداتهم لفظائع حركة قرنق، وكان يقول لهم: على الرغم من كل ما فعلته لا يمكن أن نساويها “بالقتلة ناقضي العهود في الخرطوم”.. ويتظاهر بالحزن الشديد والأسى لأوضاع الجنوبيين؛ حتى ليذكرك ببيت أبي الطيب:
فَرُبّ كئيبٍ ليس تَنْدَى جُفُونه
ورُبَّ نَدِيّ الجَفْنِ غيرَ كَئيبِ

وفي 1995 اتخذت التطورات مساراً خطيراً، شكّلت دفعةً قوية لخطة (المجلس)؛ وذلك حين ابتدرت منظمة التضامن المسيحي Christian Solidarity ومقرها في زيورخ وترأسها البارونة البريطانية كوكس Cox؛ ما سمته برنامج لشراء العبيد في جنوب السودان لتحريرهم.
وذكرنا من قبل أن جون أبنر الناشط في التضامن المسيحي كان الأفعل، وأخذ ينظم رحلات للصحفيين لمناطق سيطرة قرنق ليشهدوا مسرحيات شراء/ تحرير العبيد.
وهي مسرحية كشفها القس الكاثوليكي الإيطالي ماريو ريفا.. وفضحها جيم جيكبسون الذي سبق أن عمل مع أبنر، وقال: إنها كذبة ومسرحية مرتبة؛ كما بينا سابقاً.
واتضح فيما بعد أن منظمة التضامن المسيحي كانت تقتسم الأموال التي تجمعها في الغرب لتحرير العبيد، مع حركة قرنق.
لكن ما كشفه القس الإيطالي وجيم جيكبسون كان بعد سنوات، وبعد أن شاعت الأكذوبة وصدقها الناس في الغرب، وأضرّت بسمعة السودان أيّما ضُر.
وعمل (المجلس) على ترويج هذه الفرية إعلامياً.. وجرى استغلالها..
فجُمعت ملايين الدولارات لتحرير العبيد؛ حتى من أطفال المدارس الأمريكية.
وأخذ نواب الكونجرس يتلقون آلاف الرسائل من دوائرهم تحثهم لاتخاذ مواقف حازمة ضد “تجار الرق الإسلاميين المتطرفين في السودان”!!!

ونتيجة لذلك تَقَوّت شبكة داقني المناصرة للجنوب، والكارهة للعرب المسلمين المتطرفين في السودان داخل الكونجرس، نظم داقني زيارة لأعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لزيارة مناطق سيطرة قرنق.
وكان من أبرز الأعضاء الذي سافروا للجنوب السناتور الجمهوري بيل فرست (ولاية تنسي) والنائب الديمقراطي دونالد بين Donald Paine رئيس الكتلة السوداء.
المؤسف أن دونالد بين اقتنع أن الشمال يضطهد (إخوانه) السود في جنوب السودان، ولا شك أنه استرجع معاناة السود في أمريكا.
وإخواننا السود في أميركا، شديدو الحساسية إزاء العنصرية خاصة. وهكذا جرّ دونالد بين أعضاء الكتلة السوداء في الكونجرس؛ كما جرّ كنائس السود.. وأصبح كل أولئك أعداءً للسودان.

قالت ربيكا هاميلتون: إن تيد داقني وبرندرقاست التقيا سوزان رايس التي كانت تتسنّم منصباً مرموقاً في وزارة الخارجية الأمريكية، وهو مديرة الإدارة الإفريقية، بعد محاضرةٍ لها في جامعة برنستون الشهيرة. وإنّ داقني رافقها في رحلة عودتها بالقطار إلى واشنطون؛ وإنه استقطبها خلال هذه الرحلة لتكون عضواً غير رسمي في (المجلس).

ولا أعتقد أن لقاءهما بها كان عفوياً؛ ولا كانت رحلة داقني برفقتها في العودة محض صدفة.
فلست أشك أنهما كانا قد عرفا برنامج محاضرتها ومواعيد عودتها؛ وخططا أن يرافقها داقني بترصد.
ولا أشك أن اختيار داقني، كأسود، كان مقصوداً؛ فاستقطاب أسود لقضية معاناة سود من العنصرية، يكون شخص أسود هو الأنسب للقيام به.

وهكذا غدت رايس تتناول الغداء Lunch مع أعضاء (المجلس) في Otello في بعض الأحيان. وجعلتها النقاشات والمداولات تؤمن بمشروع (المجلس)، وحَسُنَ إيمانها مع الزمن!!!

بعدها تقدم برندرقاست لوظيفة بوزارة الخارجية، وأجرت له رايس المعاينة.
وخلال المعاينة جرى الحديث عن نظام الحكم في السودان؛ فقال لها برندرقاست عبارة في وصفه مسجوعة بالإنجليزية وهي:
‏Khartoum is “too deformed to be reformed ”
أي أنه نظام بلغ من السوء بحيث يتعذر إصلاحه.
وهي دعوة لإزالته.
فيما بعد سمعتُ من قادة التمرد نفس هذه العبارة المسجوعة، وينسبونها لجون قرنق.
وقد استخدمها لوكا بيونق في مناظرة جرت بيننا بعد سنوات في معهد التنمية الدولية البريطاني (Overseas Development Institute. ODI)

منحت رايس الوظيفة لبرندرقاست؛ ومن داخل وزارة الخارجية أصبح دائم الطرق على موضوع التضييق على نظام الإنقاذ؛ وكذلك كان يفعل أعضاء (المجلس) الآخرون مع رايس.
وهكذا تبنت رايس خطهم الداعي لفرض عقوبات على السودان؛ وأقنعت به الرئيس كلنتون حتى اتخذ القرار.
وبذا أصبح الموقف الرسمي الأمريكي أقرب إلى موقف (المجلس).

وكثّف المجلس نشاطه ضد السودان في الخارجية وفي مجلس الأمن القومي وفي الكونقرس والإعلام؛ وبذلك تطور موقف الإدارة أواخر التسعينيات، فأصبحت واشنطن لاتقدم فقط المعونة الإنسانية لحركة التمرد وإنما أيضاً الدورات التدريبية لقيادات الحركة، ومعدات عسكرية قيمتها 20 مليون دولار ليوغندا وإثيوبيا وأريتريا ؛ وقال برندرقاست إن السلاح قُدّم لهذه الدول لتقوم بتغيير النظام في الخرطوم، وتُخلِيَ واشنطن من المسؤولية:
ويرى أنه البصير بهذا
وهو في العمي ضائع العكاز
( العكاز فصيحة).
ثم طَوّر (المجلس) نشاطه، فتفرق أعضاؤه في الولايات يقدمون المحاضرات، لتبصير قومهم بالحالة المزرية التي يعيشها الجنوبيون نتيجة للاضطهاد الذي يمارسه العرب المسلمون في الشمال عليهم.

وجنّد وينتر (نائب الامبراطور) الكاتب أريك ريڤز، بعد محاضرة (إنسانية) عن الجنوب قدمها وينتر في جامعة سميث في ماساتشوستس، وآمن ريڤز بما يقوله (المجلس) بل وحَسُنَ إيمانه فأصبح من كتاب وحي (المجلس) في الصحافة.
أما الرئيس بوش الابن فقد تكفل به القس فرانكلين جراهام، وفي صفقة لدعمه في الانتخابات التزم لهم بوش بما يريدون. وكان كسب المجلس لفرانكلين جراهام فتحاً كبيراً؛ فهو حَبْرٌ عظيم في النصرانية، ورث عن أبيه مجداً فغدا مقامه عظيماً بين قومه.
وأنجز بوش ما وَعَدَ، ففي سبيل الفوز في الانتخابات يَفُون بما وعدوا؛ أما في قضايا العلاقات الدولية فيصحُّ على أميركا القول:
إذا غَدَرَت حسناء وَفّت بعهدها
فمِنْ عهدِها ألّا يدومَ لها عهدُ

وبضغوط جراهام والكنائس الانجليكانية على بوش لإنقاذ نصارى الجنوب من براثن العرب المسلمين المتطرفين عَيّن بوش القسيس دانفورث مبعوثاً خاصاً للسودان. كيف لا وبوش مسيحي وَرِع ومولود من جديد Born Again , يقول إن “الرب تحدث إليه” كفاحاً ليغزو العراق !!! وسُرّت الكنائس بتعيين أحد (رجال اللَّه) مبعوثاً؛ وشكرت بوش قائلةً له:
فآجَرَكَ الإلهُ على عليلٍ
بَعَثْتَ إلى المسيحِ به طبيبا
فلا زالتْ دِيَارُكَ مشرِقاتٍ
ولا دانيتَ يا شمسُ الغُرُوبا…

زر الذهاب إلى الأعلى