رأي

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (33)

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (33)
بقلم :السفير عبد الله الأزرق
واشنطن (10)
خطة فصل الجنوب (ب)

دون سابق ترتيب أو معرفة بالمتصل رَن جرس هاتفي، وإذا بالمتصل مذيع من إذاعة تورنتو بكندا، يعرف نفسه بصفته المهنية، ويسألني دون مقدمات عن اتّجارنا بالرِّقْ!!! قالها وتحدث حديث الواثق.
فرددت عليه: أننا لا نريد ادعاءات باطلة.. مَن الذين يبيعون العبيد، ومَن الذين يشترونهم، وأين كانت تجري دلالة بيع العبيد هذي؟؟
‏” We don’t want false allegations. Who are the buyers, who are the sellers and where did the auction take place “.
وأُسقط في يد الرجل.

وموضوع الرق هذا كان من بين موضوعات عديدة روّج لها (المجلس) The Council.

وكانت الصحفية ربيكا هاميلتون هي أول من كشف خبايا هذا (المجلس)، ونشرت ما كتبت في رويترز Reuters.
كان الآباء المؤسسون للمجلس ثلاثة.
وكانوا أول أمرهم يلتقون في مطعم عطيل Otello بواشنطن العاصمة؛ وهو القريب من ديوبونت سيركل.
كانوا يأكلون ويحتسون شيئاً من صهباء Dining and winning – كما يقول الفرنجة – ويتداولون أمرهم بينهم.
وكان أمرهم هو أمرنا نحن أهل السودان!!! يأتمرون بنا.

وَإنّا لَنَلْقَى الحادِثاتِ بأنْفُسٍ
كثيرُ الرزايا عندهنّ قليلُ
يَهُونُ عَلَيْنَا أنْ تُصابَ جُسُومُنَا
وَتَسْلَمَ أعْراضٌ لَنَا وَعُقُولُ

ومن عجيب المصادفات أنني كنت أعرف هؤلاء الثلاثة بدرجات متفاوتة.
أعرف تيد داقني، يهودي الفلاشا، الذي فرّ من نَيْرِ حكام إثيوبيا الشيوعيين، وأنْجَاهُ أحد مسلمي جيبوتي.. ووصل لاجئاً لأميركا، يحمل عُقد الاضطهاد وأمراض الأقليات.
كان أول عمل مهم تولاه داقني هو وظيفة في مركز أبحاث الكونغرس Congressional Research Service، وأرجِّح أن أقرباءه من بني قينقاع هم من رتبوه له، هذا إذا صَحَّت ادعاءات عشيرته الانتساب إليهم بحق. ثم انتقل للعمل في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، وتهيأت له سانحة ذهبية للتأثير؛ ذلك لأن الـ Staffers يؤثرون بالفعل على قناعات الأعضاء، خاصة في قضايا العلاقات الدولية، التي تأتي دائماً تاليةً لقضايا الدائرة Constituency وقضايا أميركا الداخلية.
كان اسم داقني في المجلس (الامبراطور).
ثاني روّاد المجلس كان روجر وينتر.
وكان اسمه (الشللي) في المجلس: حامل الرمح Spear carrier.
وزار روجر ونتر السودان لأول مرة عام 1981، حين كان يعمل في لجنة اللاجئين الأمريكية.
ولدى تكوُّن (المجلس) ربط فرانسيس دينق ابن عمه الذي كان متمرداً مع قرنق بروجر ونتر، ووجَّهه أن يزوِّده بكل المعلومات التي تهتم حركة التمرد بنشرها في أميركا، وكان هذا في 1988.
لكن روجر وينتر كان التقى بقرنق وتعرف عليه عام 1986.
وعند انفصال الجنوب عمل كل من داقني ووينتر مستشارين لسلفا كير.

أما ثالث الروّاد فكان بريان داسيلڤا.
وهذا زامل جون قرنق حين كان يحضر الدكتوراه في جامعة أيوا وصادقه.
ولدى رجوع قرنق للسودان، أتى داسيلڤا للخرطوم ودرس بكلية الزراعة بجامعة الخرطوم، حيث كان قرنق أستاذاً متعاوناً.
ولدى رجوعه لأميركا عمل في هيئة المعونة الأمريكية USAID.
وبعد ثلاث سنوات قاد صديقه قرنق التمرد بجنوب السودان.
كان هؤلاء الرجال الثلاثة هم نواة (المجلس)، وأصبحوا وكلاء حركة قرنق في واشنطن.
ثم انضم لهم دكتور فرانسيس دينق، الذي كان بمثابة العمق الفكري والمُؤطّر النظري، الذي (يُوقّع) لهم السياق السوداني؛ وهكذا كان ضرره هو الأشد في مؤامرة الكيد للسودان.
ولم يكن السودانيون يعرفون ميولاً انفصالية لفرانسيس، إلاّ بعد أن تناقلت ألْسُن السودانيين أنه كان يسبُّ الشماليين حين كان يحضر في جامعة ييل Yale، هذا إذا ما جَنّ عليه الليل ولعبت برأسه بنت الحان، أما حين يُصبح فإنه يكون معهم لطيفاً ودوداً.
واشتُهرَ عنه أن كان يقول: إنّ ما يفرقنا هو ما لا يُقال.
مثلما عُرِفَ عنه أنه كان يقول: إن الشماليين يعانون من عقدة أو أزمة هوية Crisis of Identity، لحرصهم على الثقافة العربية الإسلامية، فيما يرى.

كانت أول محاولة للمجلس لربط حركة التمرد بالمسؤولين الأمريكان عام 1987.
ولكن تلك المحاولة مُنيت بالفشل؛ لأن فوقي بوتوم (هكذا يشير الأمريكان للخارجية نظراً لقربها من محطة قطار الأنفاق المسماة بذلك الاسم) أبْلَغَت داسيلڤا أن السياسة المعتمدة هي إبْقاء العلاقة مع الحكومة السودانية؛ بل وجَّهته أن لا ينظموا أي نشاط لحركة التمرد في أي مبنى تمتلكه أو تستأجره الحكومة الأمريكية؛ وذلك لأن حركة التمرد مصنفة كحركة شيوعية تعتمد على نظام منقستو الشيوعي في إثيوبيا.
في بداية 1990 التقى برندرقاست بروجر وينتر وضمه للمجلس.
وحتى ذلك الحين لم يكن جنوب السودان شيئاً مذكوراً بصورة واسعة في الأوساط الأمريكية.
وفي ذلك الوقت انضم (الامبراطور) داقني للمجلس.

وخلال 1990 جاء الفتح للمجلس حين أخذ وينتر عضوين من الكونغرس لجنوب السودان والتقوا بقرنق.
أحدهما كان النائب الجمهوري عن ولاية ڤيرجينيا فرانك وولف؛ الذي يقول: إن ما فتح بصيرته وأشعل تعاطفه مع حركة التمرد هو سؤال ربيكا زوجة قرنق له قائلةً:
“لماذا تهتمون أنتم كغربيين بالحيتان أكثر منّا”؟؟
وبعدها نجح داسيلڤا ووينتر وفرانسيس في ترتيب أول زيارة لقرنق لواشنطن.

ومن عجائب زيارة قرنق لأمريكا أن لاعب كرة السلة في أمريكا الجنوبي مانوت دوت (7 قدم 7 بوصة) استأجر سيارة فاخرة لتُقِل القائد قرنق للكنجرس؛ لكن روجر وينتر نصحهم ألاّ يفعلوا؛ لأنهم إن دخلوا بها الكونغرس فلن يكون من الملائم حينئذ التحدث مع الأعضاء عن الجوعى في الجنوب؛ فتركوها واستقلوا حافلة قديمة ينبعث منها دخان أسود، لتترك انطباعاً عن سوء أحوالهم وأحوال أهل الجنوب.

مما يجدر ذكره أن مانوت انقلب على قرنق آخر عهده؛ علماً بأنه كان يقول لنا إذا لقينا في ردهات الكونجرس: إنه مستعد لعوننا للحصول على اللجوء، وذلك على سبيل الاستفزاز.

كنت أنظر إليه وأقول:
أَعمى يَقودُ بَصيراً لا أَبا لَكُمُ
قَد ضَلَّ مَن كانَتِ العُميانُ تَهديهِ
ثم أردد مع المتنبي الذي أحبّه:
فَقرُ الجَهولِ بِلا عَقلٍ إِلى أَدَبٍ
فَقرُ الحِمارِ بِلا رَأسٍ إِلى رَسَنِ

وبالطبع لم يكن يفهم شيئاً مما أقول، فأتركه وأمضي في سبيلي.

وخلال زيارة قرنق تلك نشأت بينه وتيد داقني علاقة صداقة وقرب فاقت قربه من كل أعضاء (المجلس) الآخرين.
وقالت ربيكا هاميلتون: إن داقني قال لها: إن الصداقة بينهما بلغت لاحقاً أنه كان يحدث قرنق بالهاتف كل يوم.

ولمّا أعير تيد داقني للجنة الفرعية للعلاقات الخارجية بمجلس النواب عام 1990، أحدث داقني اختراقاً كبيراً للحركة.. إذ أخذ يحشد لها الحلفاء بالكونغرس، وبلغ تأثيره أن السنتور هاري جونستون رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ قال: إن شكوك داقني حول الحكومة السودانية انتقلت إليه هو نفسه!!!
وبلغ تأثير داقني أنه حرر مسودة قرار الكونغرس الذي دعا إلى منح الجنوبيين حق تقرير المصير ولأول مرة وذلك في 1993.. وقِبل الكونغرس القرار بالإجماع.
مما آسف له أن ذاكرتي لم تُسعفني بتذكّر أسماء المعارضين الشماليين بأميركا، الذين كان داقني صادقهم، وأصبحوا هم مصدره في كل التُرّهات التي كان يهذي بها ضد حكومة السودان، ويتبناها بثقة، تفوق حتماً ثقته في التوراة والتلمود.
ولم تجدِ كل محاولاتي معه في زحزحته عن إيمانه بالباطل؛ فقد كان إيمانه به كإيمان العجائز.

زر الذهاب إلى الأعلى