رأي

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (31)

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (31)

بقلم :السفير عبد الله الأزرق
واشنطن (8)

بعد أن بدأنا برنامجنا مع الوالية أقنس لوكودو، أخذت تمارس ضدنا ضروباً شتى من الابتزاز. فقبل البرنامج ببضع ساعات تذهب للسفير أحمد سليمان وتحاول أن تختلق أعذاراً تحول دون ذهابها للبرنامج . فادّعت مرة أن حركة قرنق تهددها، ولذلك فهي خائفة، ولذا لن تستطيع أن تذهب للبرنامج . ومرةً تقول للسفير: إنها لن تذهب؛ لأن الإذاعة السودانية لا تغطي نشاطها. هذا علماً أن الإذاعة السودانية وقتها لم يكن إرسالها يصل القاهرة دع عنك واشنطن. وقبل كل برنامج تختلق أقنس فِرْيَة جديدة.

وكل مرة يستدعيني السفير منزعجاً؛ لأنني كنت المشرف على البرنامج.. وأطمئن السفير بأنني سأحل المشكلة.. وأذهب لأقنس، فأنا أعرف بالتجربة حلول الابتزاز، وهي تعرف بالتجربة متى تبتز !!! فتنسى كل شيء وتذهب للبرنامج.
أنا أعرفها حين كنت دبلوماسياً في نيروبي. وكانت تزورنا هناك ونكرمها وتعرف زوجتي مها لكنها تناديها مكّة!!!
وفي واشنطن كانت تقيم في منزل السفير أياماً وتأتينا أياماً؛ لأنها اشتهت “ملاح مفروكة” أو غيره من أنواع الأطعمة.
طلبات إثر طلبات. فهي لا شك تظن – مثل البعض – أن الاستجابة لطلباتها يُنفق عليها من مال الحكومة، وليس من جيوبنا نحن. ولأننا نستحي أن نقول لها الحقيقة تتمادى في طلباتها.

وهكذا كانت بجانب الابتزاز لا تنقطع طلباتها، ابتداء من شراء مشط تمشط به شعرها، أو طلبات بصنوف من الأطعمة تقول إنها اشتهتها.
وأذكر أن السفير قال إنها قالت لزوجته: إنها تشتهي الكيك الساعة العاشرة مساء، وطلبت من نعيمة زوجة السفير – رحمهما الله – أن تُعدَّه لها، بعد أن ذهب الطباخ وأوى العمال إلى فُرُشِهم، فأعدّته السيدة الفاضلة.

ويوم انتهى البرنامج جاءتني وادّعت أنها فقدت مبلغاً من المال في أحد مراكز التسوق .. وكنت قد بلغ مني الضيق من ابتزازها مداه. فأعربت عن أسفي وحزني لفقدها، وتجاهلت الأمر.
فجاءتني في اليوم التالي مكررةً نفس شكواها، فأعربت عن أسفى الشديد وتعاطفي، وتجاهلت الأمر.
وذهبت إلى السفير واشتكتني لعدم عنايتي بها وتجاهلي لها، وطلبت منه المبلغ الذي ادّعت أنه ضاع منها، فأعطاها إيّاها.
أمّا أنا فقلبت لي ظهر المِجَن.
وفي اليوم التالي سافرت إلى نيويورك دون إخطاري، وقالت في المندوبية الدائمة إنني أخفيت عنها جواز سفرها وطلبت مالاً!!! ثم عادت إلى واشنطن.

ويوم سفرها طلب مني السفير أن أرافقه لوداعها في المطار فاعتذرت.
وأذكر أن السفير قال لي: هذه المرأة ستضرك في الخرطوم.. ولم أكترث.
ولمّا وصلت للخرطوم لم تترك مسؤولاً إلا واشتكتني له، ووصلت حتى الرئيس البشير . وأدّعت أنني شتمتها بعبارات عنصرية ! ” كَبُرَتْ كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلّا كذبا ”
وأحياناً تبكي وتشتكي أن زيارتها لواشنطن أفقرتها وفقدت فيها مالها!!!
وصدَّقها بعضهم وأعطوها مالاً تعويضاً لها!!!
هذا ما عرفناه من ابتزاز أقنس لوكودو وأذاها
معرفةٌ – والله – جرّت ندماً وأعْقَبَت سَدَماً.
لكنها كانت نموذجاً لبعض ابتزاز بعض الساسة الجنوبيين لنا منذ استقلال السودان. هذا رغم أنّ كثيرين منهم كانوا مثال الأخلاق الرفيعة ، ونذكر منهم دكتور لام أكول وزير الخارجية المتميز والمثقف ، والعالم دكتور عبدالله دينق ، ودكتور رياك مشار ، والسلطان عبدالباقي أكول ، وكوستلو قرنق ، وأروك طون أروك ، ودكتور رياك قاي كوك؛ وغيرهم . وتربطني ببعضهم علاقات مِلؤها المودة والاحترام ، وهم أهْلٌ لذلك .

ولمسح آثار زيارة الوالية أقنس، ومسح ما يمكن أن تُدلي به من حُجج؛ هذا رغم أن أداءها كان أضعف كثيراً مما توقعنا؛ ورغم تدخلي أحياناً لسد ثغرات حديثها؛ نظمت المعارضة السودانية “هجوماً مضاداً”!!
فاستقدمت إلى واشنطن القسيس مكرم ماكس، الذي يقال: إنه رئيس أبرشية الأبيض.
ذلك رجل يُجسّدُ عاراً على كل الأديان، لما جُبِلَ عليه من كذب.
وكان، بترتيب من المعارضة، يَتَقَفّى آثارنا فيلتقي كل مسؤول أو مؤثر Influencer بعد أن نجتمع به.
التقيناه مصادفةً في مكتب دونالد بين Donald Baine رئيس الكتلة السوداء بالكونغرس Black Caucus.

ولعل أسوأ ما فعلته المعارضة الشمالية بما يتجاوز صورة الحكومة إلى سمعة السودان كلّه هو تنظيمها جلسة استماع Hearing للجنة العلاقات الخارجية بالكنغرس موضوعها ممارسة الحكومة للرق بالسودان!!!
كان المتحدث الرئيس في جلسة الاستماع تلك القسيس مكرم ماكس، وكان يجلس بجانبه على المنصة المرحوم دكتور عمر نور الدائم، نائب رئيس حزب الأمة، وشاب شيوعي. وشَدّ ما آلمني مشاركة دكتور عمر نور الدائم في ذلك العار.

ومما تَرْتَجُّ له الجبال الراسيات، هو زعم القسيس أن “حكومة الإسلاميين المتطرفين” نظّمت سوقاً لبيع العبيد بمدينة الأبيّض؛ وأنه هو شخصياً اشترى 50 خمسين من “عبيد حكومة المتطرفين الإسلاميين” وقام بعتقهم من الرّق!!!
وعمر نور الدائم جالس بجانبه، مما يعني موافقته في كذبته!!!
كيف لرجلٍ كان بالأمس مستوزراً بأوزار السلطة أن يأتي مثل فَعْلَتِه تلك التي تِسيء إلى أمّته وشعبه!!!
ألا يذكّرك هذا بما قاله أحمد مطر:
ربما الزاني يتوب
ربما الماء يروب
ربما يُحمَل زيت في الثقوب
ربما شمس الضحى
تشرق من صوب الغروب
ربما يبرأ إبليس من الذنب
فيعفو عنه غفار الذنوب
إنما لا يبرأ الحكام
في كل بلاد العرب
من ذنب الشعوب
وهكذا كان رجال الأحزاب عندنا؛ لا هم يتوبون ولا هم يستغفرون.
لم ينسوا شيئاً ولم يتعلموا شيئاً.
الأهم لديهم الإطاحة بالحكومة التي يعارضونها بمكياڤيلية تتجاوز الإساءة للحكومة للإساءة للوطن.

وكان القسيس بكامل زِيّه الكنسي الأسود، ويتدلى صليب فضي كبير على صدره.
وبهيأته تلك وكونه من رجال الله Man of God لدى الخواجات، فهو لا شكّ مُصدّق لدى السادة أعضاء الكونغرس!!!
وهم لا يعرفون لا مدينة الأبيّض ولا مدينة الأُحَيْمِر.
وما دام المتهمون “متطرفين إسلاميين”، فالقسيس لا شك صادق!!!
ولأننا كنا على علم بأكاذيب الرجل قبل أن يأتي، فقد رددها من قبل في بروكسل؛ أعدّ الوزير المفوض ميرغني رداً لِنُوزّعه بعد انتهاء جلسة الاستماع.
ولكن صدمتنا كانت أن رجال أمن الكنغرس وبعض موظفيه اعترضوا طريقنا ومنعونا من توزيع بيان السفارة.
فقد كان الجو مشحوناً غضباً من حكومة تسترق البشر، ومن مُمثّليها الذين يريدون الدفاع عن باطلها!!!
وصدق ذلك الخواجة الذي قال:
“هناك صدمة هائلة في الخيانة التي يسببها مَنْ مَرَدُوا على الكذب وخاصةً حينما يمارسون الأذى النفسي للناس بصورة متكررة ”
‏There is tremendous trauma in the betrayal caused by a perpetual liar as they repeatedly commit psychological abuse.

زر الذهاب إلى الأعلى