رأي

“اِنكسر المِرِق”

“اِنكسر المِرِق”
بقلم :سهير عبدالرحيم

كنت أراقبُ دوماً حماس وحيوية
أمي حين يزورنا الضيوف في بيتنا ، كانت تسعَدُ أمي بإكرامهم والاحتفاء بهم؛ أيَّاً كان مقدمهم أو مشاربهم أو وجهاتهم .

وكان حماسها ذاك يزداد وسعادتها تتسع حين يزورنا أهلنا من قرية أم مغد بولاية الجزيرة ، أما حين يكون الزائر واحداً من خيلاني الاثنين؛ محمد أو أزهري، فقد كانت تهرولُ في الاحتفاء بهم حدَّ أنها حافية القدمين.

فكَبُرنا وتعلمنا معنى الأهل و عزوة القبيلة وقيمة العائلة وقداسة الأخوَّة ، كنت أشارك في ذلك الاحتفاء معها؛ فأتسابق إلى خيلاني أحضنهم عميقاً وأُوسعهم سيلاً من القبلات على رؤوسهم و جبينهم و خدودهم ، أشعر بحنوِّهم وسموقهم ودفء لا يشوبه برد وحنيّة لا يكدرها زمان وطمأنينة لا تكذبها ظنون.

كان خالي محمد والذي تجاوز عمره المائة عام منذ سنوات طويلة حين يكرمنا بزيارة في بيتنا ويحلف أبي عليه للمبيت كنت أعلم أن صباح الغد سيكون صاخباً بالحب والضحكات الوسيمة والونسة الطاعمة والذكريات و الأحاجي الذكية.

كان يستيقظ خالي و ينتصفَ السريرَ والمجلسَ والأقاصي، في ذاك الوقت تكون أمي قد أعدت صينية الشاي مع الزلابية ( شاي أحمر و شاي باللبن ) و جك من العصير وآخر من المياه الباردة ، وتكون في ذات الوقت قد أكملت قلي البن لتعد القهوة فور انتهائهم من الشاي ، وفي ذات الوقت تكون قد جهزت كل ما يلزم للإفطار.

كنت أقول في نفسي دائماً إن المعدة في هذا الوقت من الصباح تستقبل شيئاً واحداً؛ إما شاي لبن أو شاي سادة أو قهوة ، ولكنها أمي التي تشعر دوماً أن عليك إفراغ الثلاجة وكل مافي المطبخ أمام الضيوف، فما بالك إن كان هذا الزائر خالي محمد .

كنت انسرب إلى ذاك المجلس بعفوية عشقي إلى ملازمة أبي و الاستماع إليه والتمعن في خطوط الزمن على تقاسيم وجه خالي فتسرني ابتسامته المكتلمة التي تنزاح عن اسنانٍ بيضاء متراصة لم تنقص بفعل فاعل و عيون تُومض مع الحديث الذي يشمله خالي بكل أنواع الجناس و البديع والطباق .

ولا أدري لماذا لم يفكر ابن خالي البروفيسور عبدالمتعال حين زاره خالي بعاصمة الضباب لندن لماذا لم يَعرض خالي على خبراء الذكاء والجينات ، إني على يقين أنه كان سيحصل على علامات مرتفعة تضاهي اينشتاين و فحص جيني يخبرنا كيف أن لون عينيه يختلط بزرقة نادرة.

كنت أشعر بتوأمة بين ابي وخالي تتحول إلى عصف ذهني لقضايا الوطن؛ كيف لا وهما الاثنان من مؤسسي وداعمي وركائز الحزب الاتحادي الديمقراطي، وإن انشق أبي بحزبهم الوطني الاتحادي إلا أن نقاشهما كان دوماً عميقاً ومفيداً دون أذىً و تطاول وجهل كما يحدث في سودان اليوم ، نقاشاً ديمقراطياً معافىً ليس فيه قمعٌ ولا كبتٌ و لا مزاجية، كنت أسمعهما يرددان أسماءً عظيمة كان لها أثرها في بناء السودان . اين جيل خالي وأبي مما يحدث الآن؟

كان خالي مثل أبي؛ يعشق السياسة والتاريخ والقانون ، فلا يستطيع أيٌّ من دهاقنة خريجي كليات العلوم السياسية أن يجاريه في طرح أو رؤية ، وكانت تشتد حيرتي في حفظه عن ظهر قلب لقوانين الأراضي والعقار والحسابات المعقدة ولأنه من ضمن الوارثين الوحيدين لتركة العمدة أحمد البخيت فقد شهدت له المحاكم صولاتٍ وجولاتٍ مع آخرين قام فيها بفذلكة القانون بدِربة ودراية وتمحيص وتفسير جعلت عموم قضاة تلك المحاكم يسقطون في أيديهم.
////

على ذكر البخيت، فجدنا هو الرجل الذي كتبت فيه القصيدة التى يتغنى بها الفنانون اليوم فارس الحديد
ما حرسو الجري وصدرك موشح بالدمى * ما بخاف فارس الحديد الحمى

يا فــارس الألوف الإت كفيتن * وكبست الدروع وشلعت خـــوداتن

فارسنــا البخيت التم شكراتن * وصديت الخيول وقمحت ركباتن

ما بخاف فارس الحديد الحمى

من قومة الجهل الخوف ولا قسمو * ومتبون في المحاص وفي الدود كتر عشمو

بدخل فوق بكاناً النحاس خلف شتمو * وركز البخيت الفال والنصــر ختمــو

من قومة الجهل الخوف ولا كارو * والهوي والشرق إتصنعو أفعـــــالو

العوق أب صفوف قالوا البخيت شالوا * مضروب في الوجن ولا جاني بي شمالو

القصيدة طولية عرضتُ جزءاً منها لأوضح أن جينات البسالة والإقدام وخوض غمار المعارك هي بالفطرة، لذلك كان الخال كما يقال (هذا الشبل من ذاك الأسد) .
أعود لخالي، فالرجل يحفظ كل شبر وكل خط عرض وطول وكل ساقية وحواشة وبعكازته يرسم لك على الأرض أي انحناءة وتعرج وإبطاء وفتور و سرعة وهيجان وثورة للنيل .

يتحدث عن الزراعة مع أمي فتجزم بأن البذرة تُناجيه والثمرَ يسامره والأشجارَ تصطفيه و التربة تخبره الأسرار، فيتحدث كما الفلكي الذي يجيد معرفة أوان الزراعة والحصاد وقراءة شفاه النجوم.

إنه موسوعة في القانون والسياسة وفلاحة الأرض ، كيف لم يستعنْ بك يا خالي الخبير الدولي الدكتور معاذ تنقو في رسم حدود السودان التي (قضمتها) مصر وإثيوبيا و ابتلعها الجنوب؟!.

خالي محمد والذي تزوج بسيدتين كريمتين لهما الرحمة والمغفرة أكرمه الله بعدد من خيرة الأبناء والبنات والأحفاد وأحفاد الأبناء ، فرفد البلاد بالبروفيسور العالم والنطاس البارع والطبيب الحاذق والمهندس الجيولوجي والكيميائي ومهندس الماكينات وخبير النفط و الأديب والتاجر والصيدلاني والمعلم وأقلهم تعليماً كان يمشي بين الناس بالحسنى وإذا خاطبه الجاهلون قال سلاماً .

انفردت إحدى بناته بكتابة معلقات وأقاصيد في الفخر والمدح والشعر الجزيل المصقول بعناية يضاهي الفرزدق و جرير و العتاهية ، فكانت تمزج مفرداتها بمصطلحات عسيرة الفهم في الطب والفيزياء؛ كيف لا وهي ابنة محمد .

الآن وقبل خمسة أيام حمل الناعي لنا وفاة خالي محمد بالأراضي المقدسة بالمملكة العربية السعودية ،فكان الألم بحجم أمة و الوجع مقدار وطن.

*خارج السور :
قرائي الأعزاء.. رجاء شاركوني الدعاء لحالي.
اللهم ارحم خالي رحمة واسعة تسعها قدرتُك و صفحُك ورضوانُك، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة ..
(إنا لله وإنا إليه راجعون)

زر الذهاب إلى الأعلى