إستراتيجيات

إستراتيجيات
د . عصام بطران
الجيش صمام امان الامة ..!!
– الجيش السوداني كان ولازال صمام لامان الامة وحامي لحمى الشعب في نفسه .. ماله وعرضه .. فمنذ ان تولى قيادته الفريق / احمد محمد حمد الجعلي الذي ولد بمحمد قول في البحر الاحمر وتخرج في كلية غردون مهندسا معماريا عام ١٩١٥م ثم تخرج في المدرسة الحربية عام ١٩١٧م وتدرج في الرتب الى ان اختير للعمل بشمال افريقيا في الاربعينات ايام الحرب العالمية الثانية وتسلم منصب اركان حرب الفيلق الثاني عشر بشمال افريقيا ابان الحرب العالمية الثانية والذي كان له الشرف بان يكون اول قائدا للجيش السوداني حيث استلم قيادته من “سكونز باشا” عند السودنة في يوم ١٤ أغسطس ١٩٥٤م ، وفور استلامه لقيادة الجيش غير اسم قوة دفاع السودان الى اسم الجيش السوداني ..
– تعتبر المؤسسة العسكرية في السودان من اعرق القوات النظامية في المنطقة الافريقية والعربية بل تعتبر من المؤسسات التي كان لها الفضل في تاسيس البناء العسكري لكثير من الجيوش بالمنطقة ولكن فضلها في حفاظ لحمة الجبهة الداخلية كان الاكبر والاهم خلال مسيرتها عبر الحقب المختلفة التي مرت على تاريخ البلاد فالقوات المسلحة في دول العالم الثالث تلعب دورا بارزا في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ففي مجال الحكم نجد ان اكثر من ثلثي دول العالم الثالث البالغ تعدادها مائة دولة تقريبا قد شهدت انقلابات عسكرية دموية او تدخلا عسكريا بصورة ما ويجب هنا التفرقة بين الانقلابات العسكرية والوسائل الاخرى التي يمكن عن طريقها الاستيلاء على السلطة السياسية مثل التمرد والعصيان والثورات والحروب الاهلية .. اما الانقلابات العسكرية فتعني ان تقوم القوات المسلحة معتمدة على ما لديها من أدوات الردع بالاستيلاء على سلطة الحكومة بصورة مفاجئة وفي حالة السودان لم يشهد اي دموية في التغيير السياسي بالبلاد بل في الغالب ماتكون سبل التغيير العسكري سلمية وبيضاء ومسنودة من عامة المواطنين لاحساسهم بالامان وسط العسكريين ..
– تاتي اهمية القوات المسلحة من مصدر امتلاكها مواردها الخاصة التي تمكنها من التحرك للاستيلاء على السلطة في الوقت المناسب .. فهي تمتلك أنواعا مختلفة من الاسلحة والمعدات والمتحركات ووسائل الاتصال التي تمكنها من التنسيق بين الوحدات .. ويمكن القول بان هناك نوعين من التحركات العسكرية الاول: ان يقوم الجيش كله بالتحرك للاستيلاء على السلطة حسب اوامر القائد العام ويكون التحرك في هذه الحالة عملية سياسية وليست حربية ويطيع الجنود الاوامر التي تصدر اليهم لان مخالفتها تعد خرقا للانضباط العسكري .. والثاني: ان يقوم بعض الضباط بالاستيلاء على السلطة وابعاد كل القيادات الموالية للحكومة ويعتبر في نظر الحكومة تمردا ويعتبر الجنود مخالفين لاسس الانضباط العسكري ..
– يعمد العسكريون بعد استيلاءهم على السلطة الى تكوين مجالس عسكرية لمباشرة المهام التشريعية والتنفيذية ريثما تستقر الاوضاع وهناك ثلاثة انواع من المجالس العسكرية الاول: مجلس اغلبيتة من العسكريين مع وجود رمزي للمدنيين والثاني: مجلس مختلط من العسكريين والمدنيين والثالث: مجلس عسكري مع وجود حكومة مختلطة ..
– السودان كاحد دول العالم الثالث مارس فيه العسكريين السلطة السياسية عبر التحركات العسكرية وحكموا البلاد في فترات حكم تعد اطول مقارنة مع فترات الحكم المدني التي مرت على البلاد هذا اضافة الى مشاركة العسكريين في العمل السياسي عبر بوابات الحكم المدني حيث تقلد الكثير منهم مناصب سيادية داخل مؤسسات الحكم المدني وخير دليل على ذلك تولي الاميرلاي عبد الله بك خليل منصب رئيس الوزراء في فترة الحكم المدني الاول وهنالك خلفية تاريخية في السودان لتدخل القوات المسلحة في العملية السياسية والتطورات الدستورية بالبلاد حيث كانت التنظيمات العقائدية السودانية تركز على مداخل التاثير السياسي في القوات المسلحة من خلال الاستقطاب العقائدي لطلاب المدارس الثانوية المتقدمين لدخول الكلية الحربية السودانية كما كان السياسيون وقادة الاحزاب وكبار الموظفين المسيطرين على الاوضاع السياسية والاقتصادية يستوعبون ابناء الاسر الموالية لانظمة الحكم المختلفة في الكلية الحربية الى ان اصبح الاستقطاب السياسي المباشر للقوات المسلحة مباحا خاصة بعد فترتي المصالحة الوطنية ١٩٧٧م والانتفاضة الشعبية في ١٩٨٥م .. وتعد فترة حكم العسكريين بالسودان الاطول من غيرها اذ بلغت جملة حوالي ٥٣ عاما اذا ما تمت مقارنتها مع حكم المدنيين وقد استلم العسكريين السلطة بالسودان عبر اربع حقب تاريخية مختلفة ..
– الجيش السوداني له محبة خاصة والفة وتلاقي ارواح بين مكونات الشعب السوداني المختلفة اذ يعتبره غالبهم مصدر للامن والامان وتدخله الحاسم في كثير من ارتدادات حلقة السيولة الامنية المرتبكة يحسب لصالح الثقة التي تبادله اياه عامة المواطنين ولم يخزلهم الجيش في انحيازه لهم في ١٩٦٤م و ١٩٨٥م على الرغم من تولي احد ابناء المؤسسة
العسكرية للحكم في الحقبتين “عبود – نميري” وهذا اكبر دليل على ادراك القوات المسلحة بان الشعب السوداني هو رصيدها وسندها واحد مكوناتها ومصدر قوتها ..
– من خلال الملاحظة نجد ان فترة الحكومات المدنية كانت الاقصر نتيجة الصراع الحزبي وانشغال الأحزاب بنيل المكاسب السياسية والذاتية اضافة الى عدم تماسك البناء داخل الحزب الواحد حيث كثرت الانشقاقات والاستقطاب الحاد للظفر بالمجموعة المنشقة دون الأخرى .. وقد أدى ذلك إلى نفور عامة الشعب من مناصرتها والوقوف إلى جانب دعم برامجها وذلك لعدم تحقيقها لأي من مشروعات التنمية سواء في مجال البنية التحتية او مجال تقوية العمل السياسي والدستوري حيث لم تتمكن اي حكومة مدنية طيلة فترة حكمها من انجاز مشروع تنموي كبير .. او مشروع سياسي او تطور دستوري يمكن أن يحسب لصالحها .. وان تدخل القوات المسلحة لاستلام السلطة وممارسة العمل السياسي جاءت نتيجة حتمية لتفشي الفوضى وتردي الاوضاع السياسية والاقتصادية والتناحر فيما بين الاحزاب مقابل تحقيق استقرار سياسي وتنموي اثناء فترات الحكم العسكري للبلاد لذلك كانت القوات المسلحة مصدر ثقة ومحل اطمئنان لكل الشعب السوداني بمختلف اطيافه ومكوناته حتى اثناء مخاض التغيير الاخير فمن يحسب ان امان الثورة والثوار تم بغير الجيش واذرعه المساندة من الشرطة والمخابرات العامة والمتطوعين فهو واهم ومن يدور في مخيلته ان التغيير تم بالهتافات والصوت العالي فهو اثم .. فالجيش له نظرة ثاقبة وعين لماحة واذن صاغية يوزن بها الامور بميزان الذهب .. فمنذ سلفهم الاول الفريق الجعلي الى احداثنا الحالية شرها وخيرها لم يزل الجيش السوداني “صمام امان الامة” ..


