رأي

الدعم السريع ورحلة البحث عن مشروع

الدعم السريع ورحلة البحث عن مشروع

بقلم :التيجاني عبد القادر حامد

كتبت في صفحتي على الفيسبوك قبل أربع سنوات (28 يونيو 2019) منشوراً عن الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، كمثال للسياسيين السودانيين الأغرار ذوي الطموح العارم. سرت في ذلك المنشور على منهج دراسة الحالة، باعتبارها وسيلة نظرية ناجعة للإحاطة بتفاصيل الظاهرة وكيفية تفاعلاتها، وباعتبارها أيضاً وسيلة عملية ناجعة لتوسيع الخيارات أمام صناع القرار، واطلاعهم على تجارب مماثلة جرت قريباً منهم- زماناً أو مكاناً، فيتجنوا إعادة انتاج التجارب الفاشلة.
وبناء على ذلك أخذت أدقق النظر في “الحالة الليبية” تحت حكم العقيد القذافي، لما رأيت فيها من ملامسة للواقع السوداني-مرحلة ما بعد سقوط حكومة الإنقاذ في ابريل 2019؛ مثل التفكيك المتعمد لمؤسسات الدولة (وللمؤسسة العسكرية بصفة خاصة)، ومثل عسكرة القبيلة ودولنتها، ومثل ما أبداه العقيد القذافي، خلال هذه العملية، من جرأة في إعادة هيكلة للمجتمع الليبي، وكيف أن تلك العملية قد أبقته في الحكم لأكثر من أربعين عاما، ولكنها أدت في نهاية الأمر لانهيار نظامه.
رأيت أن هناك تشابهاً بين ما قام به العقيد القذافي في ليبيا قديماً، وما بدى لى من أن الفريق أول محمد حمدان دقلو (ومن يدعمه سراً في الداخل والخارج) يحاول القيام به في السودان. ورأيت حينئذ إن ظاهرة حميدتى ظاهرة خطيرة، تهدد الأمن القومي السوداني، فلا يكفي أن نقابلها بمجرد السخرية والاستهزاء. ولكن بعض القراء اعترضوا على تلك المقارنة، ذاهبين إلى القول بأن السودان ليس ليبيا، وأن حميدتي ليس القذافي، وأن المجتمع السياسي السوداني قد بلغ درجة من النضج لا مكان معها للتكوينات القبلية، وأن النخب السياسية لا يمكن شراء ولائها، وأن حميدتى ليس سلطانا ولا صانع سلاطين. كانت الثورة السودانية يومئذ ما تزال خضراء، وكانت صور لحميدتى ترفع عالية في ساحات الاعتصام.
ثم، وبعد شهر واحد من مقالي، (أي في 30 يوليو 2019) غُير قانون الدعم السريع، وأُسندت له صلاحيات أوسع، وصار حميدتى الرجل الثاني في الدولة بلا منازع. واستطاع خلال السنوات الأربع التالية (ابريل 2019-ابريل 2023) أن يحول قوات الدعم السريع إلى ما صار يُعرف ب “امبراطورية آل دقلو”؛ حيث ارتفع عددها من عشرين ألف إلى ما يقارب المائة ألف، وتلقت عشرات الدبابات وناقلات الجنود (من دولة صديقة!) وصارت لهذه القوة مقرات ومعسكرات في كل ولايات السودان، وأنشأت لها نحواً من 80 موقع ارتكاز، من القيادة العامة الى القصر الجمهوري وهيئة العمليات والإذاعة والتلفزيون والجسور الرئيسية في العاصمة. وصارت إدارة هذه القوة تمتلك شبكة متطورة من الاتصالات، وأكثر من 50 شركة تجارية في داخل السودان وخارجه، وصار بمقدور الفريق حميدتى أن يدفع لجنوده وضباطه مرتبات تعادل أضعاف مرتبات الجنود والضباط في القوات المسلحة النظامية. وصارت له قدرة على الرفع والخفض، والفرز والضم، والافقار والاثراء. وصار يوزع الرتب العسكرية كما توزع قطع الحلوى، فيرفع جندياً من رتبة عريف إلى مقدم أو عميد بجرة قلم، ويسقط عميداً من سجلات الخدمة العسكرية. ورغم هذه القوة إلا أن الفريق حميدتى كان يتوجس من المؤسسة العسكرية النظامية التي كانت بدورها تتوجس منه. ورغم أنه استطاع أن يستميل إليه بعض ضباطها المحالين إلى التقاعد إلا أن أن الهواجس كانت تنتابه- تماما كحالة العقيد القذافي مع المؤسسة العسكرية في ليبيا. فالسعي لتفكيك المؤسسة العسكرية واستبدالها بعناصر عشائرية موالية هو واحد من وجوه التشابه بينهما، وهو نا دعانا للعودة لهذا الموضوع في محاولة لاستكمال المقارنة بعرض موجز للخطوات التي سلكها العقيد القذافي في التفكيك والتركيب، وكيف أن الفريق حميدتى حاول أن يسير على الطريقة ذاتها فانتهى-في أربع سنوات فقط-إلى النتائج الكارثية ذاتها التي انتهى اليها العقيد القذافي بعد أربعين سنة. ولكن دعنا ننظر في إجراءات العقيد القذافي أولاً.

المشروع التفكيكي للعقيد القذافي
ما أن استولى العقيد القذافي على السلطة حتى سرح أعدادا كبيرة من ضباط الجيش، وحول بعضهم لوظائف مدنية، كما حول بعضهم الى وظائف دبلوماسية خارج البلاد. ثم أمر بإغلاق الكلية العسكرية الملكية في بنغازي، وشرع في تجنيد اعداد من طلاب المدارس الثانوية وارسالهم الى الكليات العسكرية في مصر ليكونوا نواة لمؤسسته العسكرية الجديدة. وهذه بالطبع خطوات لم تكن مستغربة من حركة انقلابية تسعى لتأمين وضعها العسكري في الداخل، ولتقوية غطائها الاقليمي والإيديولوجي (العروبي-الناصري). ولكن المستغرب أن تكون “القاعدة الشعبية التحتية” التي يقوم عليها هذا الرأس “الثوري القومي” قاعدة قبلية ضيقة؛ إذ رأى العقيد ألا ينضم لمؤسسته العسكرية الجديدة الا من استوفى شرط القبيلة، فأمر جميع أبناء قبيلته “القذاذفة” الذين يدرسون بالمرحلة الثانوية بالالتحاق بالكلية العسكرية، وضُم إليهم حتى من لم يحصلوا على الشهادة الثانوية.

وفعل عبد السلام جلود الشيء نفسه بالنسبة الى أبناء قبيلة “المقارحة”، وكان عبد الله السنوسي “المقرحي” من بين هؤلاء، وهو لم يحصل على شهادة معهد المعلمين الخاص. كان قرار معمر القذافي، أو عبد السلام جلود هو الشهادة. وكأن سياج القبيلة لم يكن كافياً، فقد أحاط العقيد القذافي نفسه بأبنائه الثلاثة: سيف الإسلام (الذي أوكلت له الشؤون السياسية والدبلوماسية)، والمعتصم (الذي أسند اليه مجلس الأمن الوطني)، وخميس (الذي أسندت اليه القوات الخاصة)، والتي سميت (جحافل خميس) ثم عدل اسمها ليكون اللواء 32 معزز.
بهده الطريقة استطاع العقيد القذافي أن يقوم بعمليتين في وقت واحد: تفكيك المؤسسة العسكرية القديمة وتسريح عناصرها، و”عسكرة” القبيلة؛ وهما عمليتان مهدتا، من حيث لا يشعر، لسقوط نظامه فيما بعد. الجدير بالذكر أنه لم يعرف لقبيلة القذاذفة قبل انقلاب القذافي نفوذ اجتماعي أو اقتصادي في المجتمع الليبي، وانما كانت، كما يقول بعض العارفين بالشأن القبلي في ليبيا، تابعة لقبيلة أولاد سليمان أو لقبيلة ورفلة. وقد هاجر الكثير من عائلاتها الى تشاد إبان الاحتلال الإيطالي لليبيا، ثم عادت بعض هذه العائلات الى ليبيا بعد ظهور النفط، فانخرط أبناؤها إما في قوات الشرطة أو المهن اليدوية، وذلك نسبة لقلة المتعلمين منهم، ولنمط الحياة البدوية الفقيرة التي اعتادوا عليها في تشاد. ولكن ما أن استولى أحد أبنائهم على السلطة السياسية، وفتح لهم نوافذ على مؤسسات الدولة، الا وقد هرعوا إليها بدافع العصبية القبلية والمنفعة المادية معاً، مثلهم في ذلك مثل بعض العشائر العربية البدوية التي كانت تغدو وتروح بين جنوب ليبيا وتشاد والنيجر ودارفور لتصبح فيما بعد مخزوناً بشرياً لقوات الدعم السريع بعدما صعد الفريق حميدتى إلى سدة الحكم في السودان.
بيد أن تفكيك المؤسسة العسكرية الليبية لم يكن يعنى أن العقيد لم يبتدع هيكلاً بديلاً يمارس من خلاله السلطة. لقد كان هيكله البديل يتكون من ثلاثة انظمة متداخلة: نظام ايديولوجي مستمد من الكتاب الأخضر ويهدف لدعم الشرعية؛ هيكل سياسي رسمي يتمثل في نظام المؤتمرات الشعبية، وهو يعكس التجسيد الرسمي للإيديولوجية، ولكن لا وزن له من الناحية العملية؛ ونظام غير رسمي، ويتكون من مجاميع عسكرية واقتصادية واجتماعية موازية للهياكل الرسمية، ويستند على نمط مخصوص من التحالف السياسي/العسكري/القبلي/الاقتصادي. وهذا الأخير هو النظام الفاعل الذي يستخدم النظامين الاخرين لأغراض متنوعة، ويتحكم من ثم بمفاعيل العمل السياسي بشكل يومي. غير ان هذا النظام نفسه تتحكم فيه من الباطن دائرة داخلية صغيرة عرفت “برجال الخيمة”، وتتكون من عائلة القذافي، وزعماء قبيلة القذاذفة.

العصبية الحاكمة
ومما هو جدير بالملاحظة أن صعود “القذاذفة” للسلطة، وتحولهم الى “عصبية حاكمة”، وتمتعهم من ثم بالكثير من الامتيازات العسكرية والاقتصادية، أغرى القبائل الأخرى للتواصل معهم أو للتلاحم بهم. لقد لاحظ ابن خلدون، محقا، أنه من الممكن أن يصطنع أهل العصبية الحاكمة قوماً من غير نسبهم، فيندرج هؤلاء المصطنعون في تلك العصبية، ويلبسون جلدتها، وينتظمون في نسبها، وينالون، من ثم، ثمرات النسب، وإذا وجدت ثمرات النسب فكأنه وجد. ويبدو جلياً أن هذه الملاحظة تنطبق تماما على حالة القذادفة في ليبيا، إذ ما أن استولى على السلطة نفر من أبنائهم حتى أصبحت لهم جاذبية خاصة، والتحمت بهم عشائر أخرى في مرحلة النفط والدولة، ولم تعد “القذادفة” مجرد قبيلة بدوية ساذجة، وانما تحولت الى تحالف قبلي واسع، ثم تحول ذلك التحالف الى أشبه ما يكون “بمجموعة مصالح”، تضم في أعطافها سائر الأصناف التي تعرف “بالطبقة الوسطى” في المجتمعات العربية الأخرى. ثم انضمت إليها بالطبع “النخب الهشة” من سياسيين ورجال أعمال وأنصاف مثقفين وإعلاميين وأصحاب فنون وأشعار. أستطاع القذافي بهذه الطريقة أن يخترق المجتمع الليبي وأن يتحكم فيه لأكثر من أربعين عاما.
فإذا أمعنت النظر في هذه الصورة، وحذفت اسم العقيد القذافي ووضعت مكانه الفريق أول حميدتى، وحذفت اسم القذاذفة والمقارحة ووضعت مكانهما أولاد منصور والمهارية وبقية المكونات القبلية لقوات “الدعم السريع”، فستجد أن نوعاً من أنواع “العصبية الحاكمة” قد بدأ يتبلور في الحالة السودانية (بقيادة حميدتي وبدعم حلفائه في الداخل والخارج). وهو وضع يماثل الحالة التي كانت عليها ليبيا قبل خمسين عاما! كما يمكنك أيضاً، حينما تمعن النظر، أن ترى مجموعات من القيادات القبلية والعناصر الحزبية الناشئة النشيطة وهي تلتف حول قائد العصبية الحاكمة (الذي صار يشار إليه أحياناً بالأمير حميدتي)- تماماً كما توقع ابن خلدون من قبل. أما إن ظننت أن “رجال الخيمة” القذاقية لا وجود لهم في حالة حميدتى فدونك “خيمة آل دقلو” التي صنعها حميدتى من أخوانه الأشقاء وغير الأشقاء لتكون النواة القيادية لقوات الدعم السريع، وتتكون من:

محمد حمدان دقلو (القائد الأعلى)؛ القونى حمدان دقلو (المكتب السياسي)؛ عادل دقلو (مدير امداد)؛ محمد إسماعيل دقلو (قائد ثاني استخبارات)؛ جمعة دقلو (المكتب الاستشاري)؛ رائد محمد جمعة دقلو (قائد القوات الخاصة)؛ لواء رامى حمدان دقلو (قائد المدرعات)؛ عزت الماهري (متحدث رسمي).
وهكذا تلاحظ أن التشابه بين مشروع القذافي ومشروع حميدتي يكمن في القدرة على صناعة “عصبية بدوية حاكمة” تحل محل المؤسسة العسكرية ومؤسسات الدولة، وفى استمالة النخب السياسية الهشة (يميناً ويساراً)، وفى اصطناع حاضنة اجتماعية من بعض العناصر القبلية التي يمكن شراء ولائها عن طريق المال والجاه. صحيح أن الفريق حميدتى لم يكن يملك نفطا كما امتلك القذافي، ولكنه كان يمتلك قوة عسكرية ذات عدة وعتاد، ويمتلك جبلاً من ذهب، ويتمتع بدعم وامداد من أكبر دولتين نفطيتين في المنطقة. الفرق الوحيد هو أن العقيد القذافي كان يتطلع لأن يكون “ملك ملوك أفريقيا”، بينما لم يبلغ حميدتى تلك الدرجة من الجنون. يضاف الى ذلك أن العقيد القذافي كان قد تلبس بغطاء أيديولوجي فضفاض عُرف باسم “الكتاب الأخضر” (وزعم أنه سيحل مشاكل الديموقراطية والاشتراكية ويتجاوزهما)، بينما ظل الفريق حميدتى يتلفت يمنة ويسرى بحثاً عن “كتاب أخضر” يوفر له غطاء أيديولوجياً، ويمهد له طريقاً إلى المشروعية.
الفريق حميدتى والبحث عن كتاب أخضر
ما من مراقب لنشأة الدعم السريع وتطوره إلا ويدرك أنه ليس له فلسفة أو رؤية وطنية جامعة، وأنه أشبه ما يكون ب”جماعة وظيفية”؛ أي شبكة ضخمة من عسكريين وأمنيين واعلاميين ورجال أعمال وزعماء عشائر، تخلقت في ظروف غفلة داخلية واختراق اقليمي ودولي، وأنها لم تكن تمتنع -في سعيها المحموم للاستحواذ على السلطة والثروة- عن الانخراط في أجندات لا تدرك غاياتها، أو أن تقاتل عدوا غير معلوم تحت شعارات لا تدرك مضامينها. وقد كانت تلك هي منطقة الفراغ التي احتلتها عناصر سياسية من “المُسهلين” ذوي الطموح المكبوت، وحاولت أن تجعل من آل دقلو عائلة حاكمة، وأن تحول حميدتى إلى قائد ملهم بأن تصنع له كتاباً أخضر يستكمل به الحلقة المفقودة كما صنع من قبل المسهلون-المستهبلون كتاباً أخضر للعقيد القذافي. فلوحوا له أولاً “بوثيقة المحامين”، ثم طرحوها جانباً وأعدوا له مشروع “الاتفاق الإطاري”، ثم نظموا له ورشة للإصلاح الأمني والعسكري وجلبوا إليها عدداً من الخبراء (والخبيرات) الأجانب ليشرحوا له ولجنوده “المفاهيم والأسس النظرية للإصلاح الأمني والعسكري”، و”المدخل النظرى للترتيبات الأمنية”، وكتبوا له ورقة جعلوه يطالب فيها بمراجعة مناهج الكلية الحربية، وتصفية القوات المسلحة من أصحاب الأيديولوجيات، وتطوير العقيدة العسكرية، وتضمين حقوق الانسان وحقوق “النوع” في القانون العسكري الجديد (لاحظ حقوق النوع هذه!). وغنى عن الذكر أن مثل هذه القضايا والأفكار التي اجتهدت في تقديمها الخبيرة سينزانا فوكسا، وجيف مابتدرى واياد الجراح وكريس لوكهام كانت بعيدة غاية البعد عن أفهام الفريق حميدتى وجنوده، مما جعل “المسهلين” يتركونها جانباً ويعودون إلى استخدام الذخيرة اللغوية السهلة: الكيزان والفلول، ودولة 56، والشريط النيلي، والعودة الى منصة التأسيس، والسودان القديم والجديد، وهذه بالطبع مفردات الحركة الشعبية التي أسسها جون قرنق من قبل وورثها بعض “المسهلين” وسماسرة السياسة، وحاولوا أن ينسجوا من خيوطها عباءة تلاءم قوات الدعم السريع. وقد لاقت هذه الخطة رواجاً كبيراً بين جنود وضباط الدعم السريع، إذ وجدوا فيها ما يشبه المسوغ الأخلاقي وهم يخوضون حربهم الأخيرة في الخرطوم. فصاروا يقتلون ويغتصبون ويحتلون منازل المواطنين، ويستولون على ممتلكاتهم ويعتبرون ذلك استرداداً لحقوقهم التي سلبت منذ عام 56؛ وصاروا يحرقون السجلات المدنية والعقارية ويعتبرون ذلك عودة لمنصة التأسيس؛ وطفقوا يحطمون ويحرقون المؤسسات العامة والمكتبات والمتاحف والجامعات باعتبارها رموزاً للسودان القديم، يفعلون كل ذلك في وحشية لم تشهد من قبل. ولعل هذا النمط من الهمجية المشينة هو ما أزعج بعض أصحاب الحركة الشعبية الأوائل، ورأوا فيها استعارة غير كريمة لرؤية السودان الجديد. فما هي تلك الرؤية، وكيف وُظفت في معركة الخرطوم؟
استعارة رؤية السودان الجديد
في مقال له (5 سبتمبر 2023) بعنوان (جون قرنق يتململ في قبره) تعرض د. الواثق كمير بالنقد الى دعوة من ياسر عرمان-(27 أغسطس 2023) لإجراء لقاء مباشر بين الفريق البرهان والفريق حميدتى للنظر في أجندة لتأسيس دولة جديدة ومخاطبة جذور المشكلة. رفض الواثق كمير بشدة دعوة الأستاذ ياسر عرمان (الوريث شبه الشرعي لفكرة السودان الجديد)، ورأى أنها تتضمن ايحاء بأن قوات الدعم السريع بقيادة حميدتى تشبه الحركة الشعبية بقيادة قرنق. والواقع-بحسب الواثق كمير- أنه لا يوجد وجه للمقارنة أصلاً، إذ أن جيش الحركة الشعبية لم يقم بمهام عسكرية في دولة أجنبية مقابل المال، ولم يكن تابعاً لأسرة “آل مبيور”.

أما قوات حميدتى فيعزوها المشروع السياسي والقاعدة الاجتماعية العريضة وتقوم على العصبية الأسرية والعشائرية؛ وهي جيش يقوم على حماية مصالح اقتصادية لتحالف قوى داخلية وخارجية؛ وهي ليست بحركة سياسية ولكنها تحاول أن تستعير مضامين ومفاهيم ومصطلحات رؤية “السودان الجديد”. وصدق دكتور الواثق في كل هذا ولم يعقب عليه الأستاذ ياسر. ولا شك أن الفريق حميدتى وجنوده كانوا في حاجة ” للاستعارة”، فهو سياسي مغامر توفرت له عصبية اجتماعية وفيوضات مالية ولكنه يبحث عن “فكرة كبيرة” يمكن أن ينضوي تحتها. أما إذا نظرنا إلى المسألة من ناحية السيد ياسر عرمان ومن معه من ناشئة السياسيين في قوى الحرية والتغيير فسنجد أن هؤلاء ليس لديهم من مصادر قوة إلا المتبقي من فكرة “السودان الجديد”، ولذلك فهم يحتاجون “لاستعارة” “قوة صلبة”-عسكرية-اقتصادية، ولا مانع لديهم أن تكون هي قوات الدعم السريع، ولا مانع لديهم أن يستعيروا الفريق حميدتى ليحل محل العقيد جون قرنق. وهذا أمر نحتاج أن نفصله فيما يلى.
قوى الحرية والتغيير والبحث عن القوة الصلبة.
إذا جاز أن نستعير مفهومي ” القوة الناعمة” و “القوة الصلبة ” اللتين سار عليهما جوزيف ناي، الاستاذ بجامعة هارفارد، فيمكننا أن نقول إن قوى الحرية والتغيير (بأجنحتها المختلفة) قد استنفدت- بوتيرة متصاعدة- كل القوة الناعمة التي توفرت لها- من زخم ثوري، ورمزية نضاليه، ومهارات تنظيمية، وتعاطف شعبي؛ إذ صار شباب الثورة يهتفون ضدها بشعار: “بي كم قحاطة بعتوا الدم” في كل المحافل. كما فقدت من ناحية أخرى “القوة الصلبة” التي كانت توفرها حركات المعارضة المسلحة- خاصة بعد “اتفاقية جوبا”، والتي انضمت بموجبها تلك الحركات إلى الحكومة القائمة-متباعدة تماماً عن قوى الحرية والتغيير. أما الحاضنة المالية “شبه الصلبة” المتمثلة في التمويل الذي كان يقدمه بعض رجال الأعمال الناشطين فقد أخذت هي الأخرى في الانكماش (كحالة أسامة داؤود وغيره ممن صار يرى أن قيادات قوى الحرية والتغيير مجرد عيال). ولم يبق أمامها في هذه الحالة إلا البحث عن القوتين معاً: الناعمة والصلبة. وفى بحثها عن قوة ناعمة عثرت على بقايا من الأفكار التي تركها جون قرنق عن مشروع “السودان الجديد العلماني الديموقراطي”، فالتقطتها على عجل دون تمثل كاف لها. أما فيما يتعلق بالقوة الصلبة فلم تكن توجد أمامها خزينة مفتوحة وبندقية متاحة غير خزائن وبنادق الدعم السريع تحت قيادة حميدتي؛ يضاف إلى ذلك النفوذ الذي وفره لها المجتمع الاقليمي والدولي الذي صار يتحرك بأريحية تامة في السودان، سواء من خلال السفراء أو أجهزة الاستخبارات، أو الوكالات، أو المبعوث الدائم للأمم المتحدة. وهذا على وجه التحديد هو المنعطف الذي تعاظم فيه دور مبعوث الأمم المتحدة فولكر بيتريس. فبدلاً من جلب الدعم للمساعدة في عملية الانتقال الديموقراطي-كصياغة الدستور وقانون الانتخابات، أنصرف للعمل الحزبي المباشر، وأخذ يتماهى مع أجندة قوى الحرية والتغيير (ويوفر لها غطاء دولياً وقانونياً)، مما جعلها تنشط في الجهود الرامية لتفكيك المؤسسة العسكرية باعتبار أن تلك العملية ستمهد لها الطريق للتمكن من مفاصل الدولة وبناء السودان الجديد. ولما لم يكن مثل هذا التفكيك ميسوراً بغير قوة صلبة ضاربة فقد لزم اللجوء إلى معسكر الدعم السريع، باعتبار أنه إذا ابرم تحالف بين الدعم السريع وقوى الحرية والتغيير، وتماسك هذا التحالف لفترة مناسبة، فستكون هذه المرة الاولى التي يتثنى فيها لقوى الحرية والتغيير أن تجد بين يديها القوتين معاً: الناعمة والصلبة، وقد يشكل ذلك منعطفاً حقيقياً في مسار السياسة السودانية. ولكن هب أن قوى الحرية والتغيير قد امتطت صهوة الدعم لسريع، وهب أن الفريق حميدتى وقواته قد استوعبوا فكرة السودان الجديد، فهل الفكرة ذاتها قادرة على إنجاب سودان جديد يكون أفضل حظاً من “السودان الجديد” الذي أنجبته في جنوب السودان؟
السودان الجديد ونظرية الهامش والمركز
فكرة التناقض الرئيسي بين المركز والهامش تعود-في التاريخ الأوربي الحديث- إلى أدبيات الماركسيين الأوائل، حيث كانت رؤيتهم أن المركز هو صناعة برجوازية بامتياز، وأن كل ما ينتجه البرجوازيون من ثقافة أو فن أو اقتصاد- يهدف بالأساس لتحقيق مصالح تلك الطبقة لا غير. فلابد إذن من إزاحة تلك الطبقة عن طريق الثورة الجذرية الشاملة لتتمكن الطبقة العاملة من الإمساك بجهاز الدولة واعادة ترتيب الهرم السلطوي لصالحها. ثم انتقلت هذه الرؤية-بعد نهاية الحرب العالمية الثانية- إلى دول العالم الثالث التي خرجت لتوها من هيمنة الاستعمار الأوربي (الذي كان هو نفسه ثمرة من ثمار الطبقة البرجوازية المشار اليها آنفاً). فساد القول بأن الاستقلال لم يكتمل لأن الدولة الاستعمارية قد تركت من خلفها فجوة اجتماعية واقتصادية وثقافية بين المراكز الحضرية والهوامش الريفية. ولا يوجد كبير خلاف في ثبوت هذه الحقيقية، ولكن يقع الخلاف في الكيفية التي يمكن أن تردم بها تلك الفجوة.

زر الذهاب إلى الأعلى