للعطر افتضاح

للعطر افتضاح
د. مزمل أبو القاسم
حكومة (واحد حصان)!
* تعددت خلال الأبام الماضية المطالبات وتصاعدت الأصوات مناديةً بتكوين حكومة تتولى معالجة الأوضاع المتدهورة في البلاد، وتصاعد الجدل حول مسمى تلك الحكومة ما بين (انتقالية وتصريف أعمال وغيرها).
* المشكلة في تقديرنا لا تكمن في المسمى ولا المصطلح، بل في غياب الرغبة وانعدام الإرادة في تكوين أي حكومة تتولى معالجة الأوضاع المتدهورة للبلاد.. بغض النظر عن وصف تلك الحكومة ومسماها.
* أجهزة الدولة شبه معطلة ومعظم الوزارات يقودها وزراء فاشلون وفاسدون وأفندية مكلفون يفتقرون للكفاءة وتعوزهم القدرة على المبادرة ولا يهتمون كثيراً بما يحدث حولهم.. البلد في حالة حرب والاقتصاد منهار والعملة الوطنية فقدت أكثر من 70% من قيمتهما خلال الأسبوعين الماضيين ومعاناة الملايين من النازحين والمشردين واللاجئين تتضاعف صباح ولا أحد يأبه ولا قيادة تهتم.
* الطريقة التي يسير بها الفريق البرهان دولاب الدولة (بماكينة حصان واحد) حالياً ستتسبب في مضاعفة معاناة الناس وتسريع وتيرة الانهيار في كل مناحي الحياة.. يجب مطالبة رئيس مجلس السيادة ومخاطبته بالصوت العالي لحثه على تكوين حكومة تتولى معالجة الأوضاع المتدهورة في البلاد على كل الصعد وتجتهد لتخفيف معاناة الناس وتسهم في توصيل المساعدات الإنسانية إليهم بعد أن طحن الفقر والغلاء الملايين، وأمعن الانتهازيون في استغلال معاناتهم بجشع مقيت.
* الانهيار شمل كل أوجه الحياة في بلادنا حالياً.. الأمن.. الصحة.. التعليم.. خدمات المياه والكهرباء وغيرها، الإغاثة تباع علناً بعد أن سيطرت عليها فئات فاسدة ووظفتها لمصالحها الخاصة.. أداء ولاة الولايات مزرٍ وقد ظهر ضعفهم وهوانهم في عجزهم عن منع استغلال مشردي الحرب.
* رأينا كيف تصاعدت الإيجارات لتبلغ أرقاماً فلكية في كل مدن الولايات التي لجأ إليها النازحون هرباً من جحيم الحرب، فانطبقت عليهم مقولة (المستجير بعمرٍ عند كربته.. كالمستجير من الرمضاء بالنار) لأن الولاة عجزوا عن إقرار تشريعات ولائية تمنع الجشع وتحظر استغلال المواطنين المنكوبين بالحرب.
* سعر الدولار قارب الألف جنيه ولم يثر انهيار قيمة العملة الوطنية حفيظة أي مسئول، ولم تتحرك مؤسسات الدولة الاقتصادية والأمنية للحد من تلك الكارثة المروعة إلا بأجراء وحيد تمثل في تخفيض سقف التحويلات البنكية اليومية، وكان بمقدور الدولة أن تتخذ تدابير وقائية وأمنية عديدة تمنع بها المتمردين من استثمار الأموال التي نهبوها من بنك السودان والبنوك التجارية وصك العملة وغيرها في شراء الدولار لتدمير الاقتصاد.
* اقترحنا عليهم تعليق العمل بفئتي الألف والخمسمائة جنيه واعتبارهما غير مبرئتين للذمة، وتوجيه المواطنين بتوريد الفئتين إلى البنوك في الولايات وإلزامهم بتوضيح مصادرها الحد من المتاجرة في الدولار، ومحاصرة انهيار الجنيه ومنع المتمردين من الاستفادة من المنهوبات ولكن.. أسمعت إذ ناديت حياً..
* ترك الدولة على وضعها الحالي يعني ببساطة دماراً اقتصادياً واجتماعياً يفوق ما دمرته المدافع والبنادق بالحرب.
* لا يعقل أن ينحصر كل النشاط الحكومي في محيط رئيس مجلس السيادة، لتبقى بقية مؤسسات الدولة التنفيذية خاملةً عاجزةً وفاقدة للكفاءة والقدرة على الإنجاز، حتى المؤسسات العدلية مصابة بحالة خمول مقيتة وتعمل (أو لا اعمل في حقيقة الأمر) بطريقة مثيرة للريبة، ويظهر ذلك بوضوح في التعامل الهزيل والمتراخي للنيابة العامة مع جرائم وانتهاكات المتمردين وعجزها عن ملاحقتهم بأوامر قبض محلية ومذكرات جلب دولية عبر الإنتربول.
* هذا الواقع المزري ينبغي أن يتغير اليوم قبل الغد، لأن التكلؤ في تفعيل وتنشيط أجهزة الدولة ومؤسساتها بحكومة رشيقة وكفؤة سيدفع ثمنه المواطن المطحون بالحرب والفقر ونجزم أنه وصل الحد ما عاد قادراً على احتمال المزيد.
* انظروا بالله عليكم لما قدمته أجهزة الدولة في المغرب وليبيا لمواطني الدولتين عقب كارثتي الزلزال والإعصار، لتروا الفارق بين دولتين فعلتا كل ما بوسعهما لتخفيف مصاب مواطنيهما ودولة عاجزة وفاشلة وفاسدة أصرت على أن تحلب دماء المطحونين بأتاوات باهظة ورسوم عالية بعد أن فقدوا كل أموالهم وممتلكاتهم.. حسبنا الله ونعم الوكيل.


