النيجر … تضرم جذوة التحرر من جديد

بقلم :على عسكوري
تثير الاحداث في دولة النيجر أسئلة قديمة/ جديدة عن نضال الافارقة الطويل ضد الهيمنة والاستعمار، فمعركة الشعوب الافريقية ضد الاستعمار الاجنبي لم تكتمل ولا تزال تتمظهر بأوجه مختلفة في الثورات الشعبية و تغيير الحكومات الخانعة حيث قدمت وتقدم الشعوب الافريقية ارتالا من الشهداء في طريق الكفاح الوطنى المر الطويل من اجل حريتها وكرامتها وسيادتها على مواردها واستفادتها منها لتحسين حياتها و الانتقال لمستوى افضل من العيش الكريم وذلك بالاستفادة من الموارد الطبيعية للقارة لمصلحة شعوبها اولا.
الدارس او المتابع لنضال الافارقة الطويل من اجل التحرر يلاحظ بسهولة انحسار دعوات التحرر الافريقانية بعد اطلاق سراح الزعيم الراحل نيلسون مانديلا العام ١٩٩٠. وكان نضال الافارقة من اجل اطلاق سراح الزعيم الراحل ورفاقه والقضاء على حكم الابارتايد او الفصل العنصري الذى استمر لعقود قد استنزف طاقات دول القارة وشعوبها، واحتاج الامر الى دعم احتجاجات شعب جنوب افريقيا في مواجهاته اليومية لسلطات الفصل العنصرى، كما تطلب ايضا العمل الدبلوماسي المكثف في الامم المتحدة ومع الشعوب الصديقة، و مع تصاعد المواجهات في شوارع مدن جنوب افريقيا وتراكم الضغوط الدولية انكسر نظام الفصل العنصري وتهاوى و تحررت جنوب افريقيا من اسوء نظام عنصرى عرفه التاريخ. وهكذا احتفلت افريقيا، واحتفل الانسان الافريقي ومعهم احرار العالم من كل الشعوب بذلك النصر التاريخي.
كان اذن، دعم نضال شعب جنوب افريقيا اولوية قصوى لكل شعوب افريقيا، وخصصت له الدول والشعوب الافريقية الموارد والوقت وبذلت جهودا غير مسبوقة، وكان لبلادنا سهما جيدا ولعبت دورا اساسيا كان مطلوبا منها (راجع كتاب مانديلا The Long Walk to Freedom).
بعد كسر نظام الفصل العنصرى ودحره، خبأت جذوة نضال التحرر، وبدأ الامر وكأن الشعوب الافريقية اكتفت بذلك الانتصار الذى ربما اعتبره البعض تتويجا لعملية التحرر، التى انتهت بدحر نظام الفصل العنصري الى مزبلة التاريخ.
وبعد انحسار نشوة النصر بانكسار نظام الفصل العنصري واندحاره، سرعان ما لاحظ الافارقة ان تلك لم تكن الا الخطوة الاولى في طريق التحرر والنضال من اجل بناء الاوطان. اكتشف الافارقة ان نهاية الاستعمار المباشر لا تعن بالضرورة الحرية من الهيمنة، وتأكد لهم ان الاستعمار قد كبل دولهم بقيود اخرى ليست اقل قسوة من الاستعمار المباشر. فانتبه الجميع الى ان موارد شعوبهم تنهب نهارا جهارا، وان الاستعمار ترك خلفه وكلاء دورهم الاساسي المحافظة على استمرار الاستعمار ولكن بوجوه افريقية، و الصراع الحالي في السودان يقدم نموذجا ممتازا للمجموعات التى لاهم لها سوي خدمة مصالح الامبريالية في نهب الموارد. تتم التغطية لهذه اللصوصية والسرقة باسم الديمقراطية وحقوق الانسان..!
ان ما يحدث حاليا في دول النيجر ومالى وبوركينا فاسو وغيرهم من الدول الفرانكوفونية، ما هو في جوهره الا مواصلة لنضال الافارقة الطويل الممتد منذ مقاومة الافارقة للاسترقاق وتجارة الرق عبر الاطلنطي في القرن السادس عشر وما بعده. ذلك هو السياغ التاريخي الصحيح لفهم الاحداث التى تدور في دول الساحل الافريقي.
إن ما تخشاه الامبريالية العالمية ليس هو خروج النيجر وجيرانها من قبضتها، بل -دى (بل) اللغوية ما بتاعت الجماعة- خوفها الاساسي هو انتشار العدوى للشعوب الاخرى في القارة و نهوضها للسيطرة على مواردها الطبيعية والاستفادة منها. ومن نافلة القول فكلما ازدادت سيطرة شعوب افريقيا على مواردها، كلما تدهورت حياة شعوب اخرى، وهذه علاقة عكسية يعلمها المختصون في علوم الموارد والاقتصاد، بمعنى كلما زادت نسبة سيطرة الافارقة على مواردهم كلما تدهورت حياة شعوب اخرى بذات النسبة. فحقائق التجارة العالمية تقول ان بعض الدول تحصل على موارد افريقيا شبه مجانا وذلك بتنصيب حكومات عميلة، ذلك هو سبب الفقر و التخلف في افريقيا.
لقد وضع القادة في دول الساحل اصبعهم على الجرح، وهم يحتاجون دون شك الى مؤازرة الشعوب الافريقية كما فعلت مع شعب جنوب افريقيا، بالنظر لصمت الكثير من الحكومات العميلة، التى يقتلنى صمتها… (فهذا الصمت يقتلنى كما يقول محمود درويش).
ما يحدث في النيجر يهمنا بشدة، فصراع الموارد على أشده وما يحدث في بلادنا في جوهره صراع على الموارد، وان لم نوحد صفنا ونرتب احوالنا ونخرج من حالة التشرزم باسم الايدولوجيات، ستنهب مواردنا وسيتم تشتيتنا في اصقاع الارض ولا بواكى علينا…فانتبهوا يا اهل السودانية.


