العطاء حرفة أتقنها الهلال الأحمر القطري لصناعة الفرح في السودان

نجد في هذه الحياة أيادي كثيرة تمتد بالعطاء ، إلا أن بعضها غير قادر على أن يترك بصمته في هذا المجال ، لأن كل من يطرق باب العمل الإنساني لا يمتلك سر هذه الحرفة النبيلة التي ترمّم في النفوس ما تهدمه المصائب والمحن .
فالعطاء في جوهره ليس وفرة مال ، لأن الوفرة وحدها ، من دون سعة في الروح ، ومن دون بصيرة ترى في حاجة الآخرين نداء لا يؤجل ، ليس لها قيمة ، وأما صناعة الفرح ، فتلك عملة نادرة لا يتداولها إلا أصحاب القلوب التي جعلت من البذل عادة ، ومن جبر الخواطر رسالة ، ومن تخفيف أوجاع الناس غاية تستحق أن تُبذل من أجلها الجهود .
ومن هذه النافذة الإنسانية العريقة ، يمكننا قراءة حضور دولة قطر في الواقع الإنساني السوداني ، فهو حضور لم تصنعه مناسبة ، ولم تفرضه ظروف الحرب وحدها ، لأنني على يقين بأن هذا الحضور غذته وشائج الأخوة الصادقة ، وعمق العلاقات بين الشعبين الشقيقين .
فمنذ اندلاع الحرب ، ظلت دولة قطر ، حكومة وشعباً ، من الداعمين الأساسيين للشعب السوداني ، عبر مساعدات إنسانية امتدت إلى كل الولايات ، وأسهمت في تخفيف وطأة المعاناة عن المواطنين الذين فرضت عليهم الحرب مشقة النزوح وفقدان مقومات الحياة .
نحن نثمن دور الهلال الأحمر القطري في السودان ، الذي تجاوز عطاؤه حدود الإغاثة العاجلة إلى أفق أبعد من ذلك بكثير ، فقد اتجه الآن إلى التنمية وإعادة الإعمار ، فدعم القطاع الصحي ، وأسند المؤسسات العلاجية ، ووفّر المعدات والآليات الزراعية ، ونفّذ مشروعات المياه والإصحاح البيئي ، وما زال يواصل عطاءه .
وكل هذه التدخلات ، وإن بدت منفصلة عن بعضها ، فإنها تمثل لبنات أساسية في مشروعات إستعادة الحياة إلى طبيعتها ، وتهيئ الظروف للعودة الطوعية التي تحفظ للإنسان كرامته وتصون إنسانيته ، وتمنحه أسباب الإستقرار في الحواضر والأرياف .
وهنا يأتي الدكتور صلاح الدعاك ، باعتباره أحد الوجوه ذات الحضور المميز ، والركائز الأساسية التي ارتبطت بحضور مؤسسة الهلال الأحمر القطري وفاعلية أدائها في السودان ، ولعل السؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا الآن هو : أيهما كان أوفر حظا بالآخر ، هل هو الهلال الأحمر القطري باستقطابه للدكتور صلاح الدعاك ، أم هو د. صلاح بانتمائه إلى هذه المؤسسة التي تتيح للعطاء أن يتحول إلى فعل ملموس في حياة الناس ؟ .
والحقيقة أن قيمة التجارب الإنسانية ونتائجها المتقدمة لا تُنسب إلى الأسماء منفردة ، لأن الصنعة عندما تلتقي بالكفاءة ، والرسالة بالإخلاص ، تتولد القدرة على الإنجاز ، ولذلك يظل الدكتور صلاح ، مع فريق عمله ، يشكلون حضور مميز في ميادين العمل ، بما يزيد من سرعة الاستجابة ، وحسن التدبير ، والإقتراب من إحتياجات الناس ، ويجعل بصمة العمل الإنساني أكثر حضور من الحديث عن العمل نفسه .
فانتقال مكتب الهلال الأحمر القطري في السودان إلى ولاية الخرطوم ، بعد توقف دام نحو ثلاث سنوات أو يزيد بسبب الحرب ، دلالة عملية على توفر الأمن والأمان اللذين تتمتع بهما العاصمة ، ولذلك تم إستئناف النشاط وتوسيع فرص الوصول إلى المستفيدين .
أما طاقم الهلال الأحمر القطري ، فهو فريق عمل مترابط ، ويعمل بروح الفريق الواحد ، كخلية النحل تماماً ، لا تشغله ضوضاء الحياة ، لإنشغاله بالتفاصيل التي تعينه على تقديم ما ينتظره الناس من خدمات .
فإن الرهان الآن عند الهلال الأحمر القطري في المرحلة المقبلة في السودان لا يقتصر على إستمرار الإغاثة ، فالتحدي الأكبر أمامهم يمتد إلى مشروعات مستدامة تعيد ، للمجتمعات المحلية عافيتها وقدرتها على القيام من جديد .
فبعض العطاء يملأ الأيدي بما يحتاج إليه الناس ، وبعضه يملأ القلوب بالأمل ، وأجمل ما يتركه العمل الإنساني ، هو ما يوقظه في نفوس الناس من يقين بأن المحنة مهما كبرت ، عندما تجد السند الحقيقي ، لن تنتصر على إرادة الحياة .
الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
.


