من بف نفسك يالقطار

من بف نفسك يالقطار
بقلم: محمد الأمين أبوالعواتك
لا أدري حتي اليوم ..
سر محبتي للسفر عبر القطارات..؟
فالوقت الذي اقضيه سفرا علي متنها له وقع خاص في دواخلي قد يتجاوز الاحساس به مرحلة الخصوصية الي السعادة الحقيقية..
و لا ادري هل للامر علاقة بهدهدة الطفولة في حضن الام؟
ام نوستالجيا زمن الصبا ورحلة تنقلاتنا بقطارات السودان من كردفان الي كوستي مع الوالد ايام الخدمة المدنيه الذهبية وتنقلاتها في مدن السودان الكبير وكل تلك المحطات التي يخرج سكانها بخيرات انحائها زمان الخريف الجميل ومتعة الشراء و تذوق التنوع الخرافي..؟
فنحن جيل شب و تذوق من كل ركن في انحاء بلادي الجميلة فعمر وجدانه بالسودان الكبير دون عصبية لجهوية او مناطقيه …
ولا تزال مائدتنا عامره بملاح المرس من الغرب و فسيخ بحر ابيض و قراصة الشمال وكسرة الوسط وقهوة الشرق و نستمتع مع تخومنا الجنوبيه بمتعة السمك مع اهلنا الشلك شوربه او قليا..
كتبت من قبل عن رحلاتي في القطار…
عن حمل الزاد في السفر و ايام زوادة القطر والعلاقات التي تنشأ حولها علي ايام أيام السكة الحديد المجيدة قبل ان تمتد اليها الايادي الاثمة..
وكتبت كذلك في سلسلة (مستر إسبايسي – مذكرات مسافر) علي مجلة ( مذاق خاص) عن ذكرياتي علي قطارات الصين المدهشة والتي فاقت نظيراتها في كل مكان متعة و دهشة وسرعة وابهارا و عن رحلتي في (قطار إيوو ) ومحاولة الاكل فيه لاول مرة بالعيدان الصينية ..
و إيوو هي المدينة الشهيرة في الصين والسوق الاعظم لكل الدنيا وتلك الرحلة الجميلة اليها من شنغهاي .. علي ان رحلة جوانزو الي شينزن تظل الابرز دهشة..
لا انسي بالطبع الرحلة الطويلة علي القطار الاوربي من ميونخ في المانيا وصولا الي محطة القطارات في قلب مدينة النور باريس او رحلة لندن مانشيستر ثم علي الجناح الشرقي في اوربا من بوخارست الي كلوج نابوكا وذلك الملمح من المعسكر الاشتراكي والحرب البارده .. لكن تظل ذكرياتي علي قطار القاهرة الاسكندرية هي الاوقع والاعمق لارتباطها باجمل سنوات العمر وازدحامها بالعلاقات الانسانية العديدة وبالتالي تعدد نوافذ الذكريات..
وتجدني في كل مرة اسعد ان تكون محطة رمسيس في القاهرة او سيدي جابر في اسكندرية هي مقصدي للقيام بتلك الرحلة الاثيرة مهما كان مقصد الرحلة ولا ازال اذكر ساندوتش قطة الخبز الصغيرة وبداخله قطعة من الجبن الرومي كخيار آمن في سفر الليل مع كوب من الشاي الساخن منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
و تمسك مصر بالبنية الحساسة في قطاعها العام و المحافظة عليها وتطويرها تعكس الرؤي الثاقبة لاهل الحكم فيها رغم صعوبة الاوضاع الاقتصادية..
واليوم اسعد بمستوي التطوير فيها باحدث القطارات وانا اقوم برحلتي المحببه القاهرة الاسكندرية فلقد غمرتني سعادة الانجاز والتطوير في وسيلة سفري المحببه بهذه النقلة النوعية الكبري ولعلني قد غفوت مبتسما علي كرسي القطار الوثير بعد ان استسلمت لذلك الايقاع المحبب للقطار وهو ينزلق علي تلك القضبان وينطلق ليس فقط عبر السكة الحديد ..بل الي سكك اخري في اعماق الدواخل بذلك الصوت الذي يماثل بوح القصة الاثيرة الي سكبها الصاغ محمود ابوبكر عبر حنجرة العميد أحمد المصطفي:
قالو ليه القطر تقدم
وكفرة نيرانا زي جهنم
حن قلبو ودمعو سال
هف بي الشوق قال وقال


