البرهان.. غورباتشوف السودان؟

البرهان.. غورباتشوف السودان؟
(3/3)
بقلم :عمر باسان
تجىء المقارنة ما بين البرهان وغورباتشوف من حيث تشابه البدايات والنهايات، إذا سار الحال على ما هو عليه للبرهان، فعلي يديه سيكون دمار السودان وتشرذمه وتقسيمه إلى دويلات، وتشريد أهله، إذا لم يراجع مسيره، ويعدل من سياساته، ويحسن من خياراته.
دخلت البلاد الحرب في الخامس عشر من أبريل من العام الماضي، نتيجة لأخطاء بينة، وتفريط غير مسوغ من قيادة البلاد. فبدلا من اتخاذ الخطوات الكفيلة بالقضاء على أي تهديدات محتملة للأمن القومي، واستباق العدو وقص أجنحته، ها نحن نجني ثمار زرعنا، واستهتارنا، ووضع ثقتنا في غير محلها مع ما لا يصح معه إلا الصحيح.
ولا شك أن اندلاع الحرب ومجرياتها قد وضعت أسسا جديدة للمشهد السياسي برمته، فلا حميدتي حليف الأمس للبرهان يظل هو الترياق للجيش، ولا قحت وأتباعها هم طوق النجاة للعملية السياسية، ولا الحركات المسلحة التي آثرت الحياد في معركة الكرامة، قبل أن تعود إلى جادة الطريق هي السند الموثوق، ولا المجتمع الإقليمي والدولي الذي يكيد للبلاد، وساوي بين الجيش وعدوه المتمرد عليه قانونا وشرعا، هو الملتجأ الأخير..
إن الثقة في نصر الله، والثقة في الملايين من أبناء الشعب السوداني الذين تجاوزوا الأخطاء التي أوصلتهم لهذه المرحلة، وتقبلوا البرهان قائدا لهم في معركة الكرامة، وخرجوا دفاعا عن أنفسهم وأرضهم وحلالهم، في وجه قوة باغية لا تدين بدين ولا أخلاق، تسندها مجموعة سياسية ضل طريقها ومسعاها، وهي تضع يدها في يد من انتهك أعراض السودانيين، واحتل ديارهم، واغتصب أموالهم وشردهم في الأرض، هذه الثقة هي الطريق لاسترداد عافية البلاد وأمنها واستقرارها.
لقد اتخذ البرهان الكثير من السياسات الخاطئة التي أوردت البلاد المهالك، وظل نهجه التردد والضعف، مما شجع الآخرين على التجرؤ عليه، وعلى سيادة الدولة ووحدتها. ووصل بنا الحال إلى أن تستقبل دول الجوار الإفريقي عدو البلاد، وقائد المليشيا الإرهابية المتمردة استقبال الفاتحين. ووصل الحال بمنظماتنا الإقليمية كالإيقاد إلى دعوته لحضور جلساتها، في سابقة لا مثيل لها، بما يتجاوز المواثيق والقوانين الدولية الحاكمة.
إن الحرب الجارية لن تتوقف بسهولة، وستزداد وتيرتها طالما أن الجيش يتقدم، يحاصر قوات المليشيا ويقضي عليها، ويطهر البلاد من دنسها. ولا يفوتنا أن ندرك أن من أشعل الحرب، وأدخل البلاد في دائرة الفوضى الخلاقة، يأمل أن يتخلَّق واقع جديد، وقادم جديد، بعد أن فشلت قحت ومن شايعها في السيطرة على مقاليد السلطة، وتغيير وجهة البلاد الحضارية.
إن الهدف من هذه الحرب هو القضاء على مراكز القوي التقليدية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتغيير تركيبتها السكانية، وإحلال إنسانها بقادم آخر، جيئ به من الأصقاع من وراء الحدود. حرب تهدف إلى صناعة قادم جديد فاقد للارادة الوطنية، مرتهن للخارج، يكمل مسيرة إبعاد البلاد عن عمقها وتاريخها الحضاري الذي تنتمي له. فدولة ٥٦، والسودان القديم الذي ظل يحافظ على جذوة الوطنية الحقة، ويعمل على صيانة القرار الوطني من التدخل الخارجي، صار غير مرغوب فيه في عالم البغي والاستكبار.
البلاد اليوم تخوض غمار حرب وجودية فرضت عليها. وقد هبت جموع الشعب غاضبة على هذا العدوان، ونظمت نفسها في مقاومة شعبية، دفاعا عن الأرض والعرض. ولن يهدأ لها بال حتى تقضي على آخر جنجويدي ومتمرد وعميل داخل أرض السودان الطاهرة.
إن الوقت الآن ليس للتفاوض مع القوي السياسية، بل قيادة المعركة في مسارها العسكري، حتى يتحقق النصر على المليشيا وأعوانها أولا، وللمسار الإنساني ثانيا، حتى يأمن المواطن في داره، وتصله الخدمات والمساعدات الإنسانية، مما يتطلب إنفاذ اتفاق جدة بخروج المليشيا المتمردة وأعوانها من الأعيان المدنية، ومن منازل المواطنين، الذين اتخذوهم دروعا بشرية، وغيرها من نقاط الاتفاق.
إن محاولة القفز على المراحل، وتقديم قحت أو تقدم في ثوبها الجديد كفاعل سياسي ليكون جزءا من طاولة التفاوض بين الجيش والمليشيا المتمردة عليه، بل والتوسط بينهما، أمر ما لا يمكن تقبله عقلا ولا منطقا. إن قحت التي ساوت بين الجيش وقوة تمردت عليه، وأطلقت عليها حرب الجنرالين، وحرب الفلول، وقحت التي وضعت يدها في يد عدو الشعب الملطخة يداه بدمائه، وقحت التي ما تزال تدافع عن المليشيا وانتهاكاتها المروعة لا تستحق من البرهان أن يضعها في قائمة القوي الوطنية، وأن يلتقيها، ويتناقش معها هموم الوطن ومستقبله، فهي قوي تساند التمرد، وتمده بكل أشكال العون.
إن الفرصة لا تزال أمام البرهان ليعيد النظر فيما تحت يديه من تحديات ومخاطر جمة تحيط بالبلاد وأهلها. فهلا حسم البرهان خياراته، ووزن الأمور بما تستحق، بعيدا عن أي إملاءات خارجية، تسعى لفرض واقع لا يجد القبول على الأرض، أو إملاءات خارجية تسعى لفرض مجموعة سياسية بعينها، خانت ثقة الشعب حين وضعت يدها في يد عدوها.
إن المعركة الآن هي لطرد هذه القوات الباغية من المليشيا الإرهابية المتمردة وأعوانها، وقد أعد لها أهل السودان العدة، لدحرها والقضاء عليها. فهلا قاد البرهان معركة الكرامة الوطنية بدون وجل أو تردد إلى أن يتحقق النصر المأمول..
أم سيظل البرهان في تردده وضعفه، وموالاته للخارج، ولقحت وأعوانها، لتكون نهايته ذات نهايات غورباتشوف في دمار البلاد وهلاكها وتشريد أهلها، وهو يظن أنه يحسن صنعا..


