المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (32)

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (32)
بقلم :السفير عبد الله الأزرق
واشنطن (9)
خطة فصل الجنوب (أ)
مما أذكره جيداً أنه كان لدى موسى علي سليمان – رحمة الله عليه – صورة لجون قرنق مع مدير وكالة المخابرات الأمريكية.. وقتها كان قرنق يحضّر دراسات عليا في جامعة أيوا Iowa الأمريكية. وكان موسى كتب مسودة كتاب عن جون قرنق، وكانت تلك الصورة من بين ملاحق المسودة.. لكنني لا أدري أين ذهبت تلك المسودة بعد وفاة موسى.
كان موسى يعمل في ملف السلام مع دكتور على الحاج في النصف الأول من عقد التسعينيات في القرن الماضي، وكان على دراية عميقة بالجنوب وبحركة قرنق، وشكّلت وفاته في حادث طائرة بالجنوب خسارة كبيرة للسودان.
أما صورة قرنق مع مدير CIA فتثير من التساؤلات أكثر مما تطرح من أسئلة !!!
ولدى إعلان قرنق تمرده في 16 مايو 1983، التمس الجنوبيون دعم المنظمات والكنائس الغربية.. ولما أعلن النميري تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية في سبتمبر 1983، نشطت حركة قرنق في تحريض الكنائس والمنظمات ضد النميري الذي فرض تطبيق الشريعة في كل السودان.
وهنا يجب التنبيه إلى أن تمرد قرنق سبق إعلان نميري للشريعة؛ وهذا عكس لما روّج له معارضو نميري.
وما كان قرار النميري بتطبيق الشريعة على كل السودان بِدَعَاً من الدول.
وكانت حجته أن تلك القوانين هي قانون البلاد Law of the land، كما هو الشأن في معظم بلاد العالم.
فكما تحرّم القوانين في أميركا وأوروبا تعدد الزوجات حتى علي مواطنيها المسلمين، كان نميري يرى مثلهم أن القانون الذي ترتضيه الأغلبية يسرى على بقية المواطنين.
اجتهد معارضو النميري، وخاصة الشيوعيون والصادق المهدي، في تحريض الغربيين ضد النميري.
ووصل الأمر أن نائب الرئيس الأميركي، جورج بوش الأب، جاء في 4 مارس 1985 للخرطوم ليضغط على نميري لإلغاء قوانين الشريعة، والرجوع لاتفاقية سلام أديس أبابا (3 مارس 1972) مع الجنوبيين.
هذا، على الرغم من أن إلغاء نميري لاتفاقية أديس أبابا جاء بتوصية من جوزيف لاقو، الذي كان رئيساً للمجلس الانتقالي لجنوب السودان.
وكان لاقو قدّم دراسة لنميري أثبتت أن الدينكا سيطروا على مفاصل السلطة بالجنوب، وأقصوا كل القبائل الأخرى؛ مما يُنذِرُ بتمرد القبائل وخروج الأوضاع عن السيطرة في الجنوب.
لكن زيارة بوش للسودان كانت تحت غطاء أخفى حقيقة مراميها؛ إذ أُعْلِنَ أنه جاء لزيارة غرب السودان الذي ضربته المجاعة الناجمة عن الجفاف ذلك العام.
مكث بوش بالسودان أربعة أيام لترتيب إقصاء نميري؛ ومارس ضغطاً كبيراً على نميري للتضييق على الإسلاميين.
وبعد مغادرة بوش للسودان بيومين فقط شن النميري حملة على الإسلاميين، واعتقل قياداتهم، وشَرّد كوادرهم النشطة بالمطاردة (10 مارس 1985).
لكن ذلك لم يكن كافياً للأمريكان ليبقى نميري في السلطة.
ووفقاً لإفادة نشرتها صحيفة ( السوداني ) نقلاً عن وزير المالية الأسبق المرحوم إبراهيم منعم منصور في 8 ديسمبر 2018، فإن CIA قررت في نوفمبر 1984 التخلص من نميري والإبقاء على نظامه؛ لأنها تراه خرج عن السيطرة بإعلان الشريعة وإلغاء اإتفاقية أديس أبابا.
ووفقاً لما يُستشف من إفادة منصور فإن الأمريكان أبلغوا الصادق المهدي بأنهم نفضوا أيديهم عن نميري.
وهكذا كانت الإطاحة بنميري تدبيراً أمريكياً توسلوا له بما سُمّي (ثورة أبريل)؛ تماماً مثلما فُعِل بالبشير في توقيت لاحق.
وبعد تطبيق النميري للشريعة، نشطت الكنيسة والمنظمات المدعومة من الحكومات الغربية في دعم حركة قرنق، كأحد وسائل التضييق على نميري.
بل لم تُوقِف دعمها في عهد حكومة الصادق المهدي (1986 – 1989) وديمقراطيته الاسميّة.
بل وقَوّت الحكومة الأمريكية حركة قرنق بفرضها عملية شريان الحياة على المهدي في 1989.
لكنّ الدعم الرسمي الأمريكي لقرنق وقتها لم يكن كبيراً؛ لأنهم صنفوا الحركة كحركة شيوعية قوية التنسيق مع نظام منقستو هايلي ماريام الشيوعي في إثيوبيا؛ ولعلاقتها مع القذافي والكتلة الشرقية.
ولم تُوقِفْ المنظمات والكنائس حملة دعم قرنق حتى بعد أن ألغت حكومة البشير لاحقاً تطبيق الشريعة على الجنوب؛ بناءً على بحث شرعي وفتوى أصدرها دكتور جعفر شيخ إدريس.
وفي شهوري الأولى بواشنطن (1994) نظم معهد السلام Peace Institute ندوة عن السودان وحرب الجنوب.
وكان مفترضاً أن يشارك فيها دكتور علي الحاج مسؤول ملف الجنوب والذي كان موجوداً بالعاصمة الأمريكية في نفس الوقت. لكن على الحاج اعتذر عن المشاركة قبل بضع ساعات من وقت الندوة دون أن يُبدي لي سبباً، ولم تكن لي القدرة على الاستفسار.
ولإيماني أن لا نترك فراغاً، ندبت نفسي للمهمة وذهبت لأشترك. وأُبلغت لدى وصولي بأنهم لن يسمحوا لي سوى بعشر دقائق فقط!! وقد كان.
أمّا الذي حُظي بحفاوة وزمن كبير فقد كان دكتور فرانسيس دينق؛ وكذلك أميركي عرفت خطورته بعد شهور اسمه جون برندرقاست.
يحفظ تاريخ دكتور فرانسيس أنه كان متملقاً للعرب والمسلمين حين كان وزير دولة بالخارجية في عهد نميري؛ وكان يتحدث عن أن عشيرته الدينكا موحّدون مثلنا.
ثم قلب الرجل ظهر المِجَن لكل ذلك.
في تلك الجلسة في معهد السلام، ألْمَحَ دكتور فرانسيس لنقيض ما كان يقوله سابقاً، ولم ينسَ أن يُعَرِّض بنقض الشماليين للعهود، وما شاكل ذلك مما يِشين العرب المسلمين في الشمال وحكوماتهم.
وفي تلك الجلسة، سمعت لأول مرة الدعوة لحصار السودان وتشديد الخناق عليه بمنع الوقود والسلاح عنه.
كان صاحب الدعوة هو برندرقاست.
وحاول جهده أن يُبَسّط مطلوبات الحصار بقوله:
“إنه يكلف فرقاطة واحدة تقف أمام بورتسودان”
”It is only one frigate in front of Port Sudan ”
هكذا قالها!!
وتأكد لي ذلك اليوم جسامة ما ألقي على عاتقنا كممثلين للسودان ينبغي أن نُبْحِرَ بسفينته في بحرٍ لُجّي، من فوقه موج ومن تحته موج، وتكتنفها ظلمات بعضها فوق بعض.. ومن ثم جسامة ما نحن مُقبِلون عليه.
التقيت جون برندرقاست ذلك اليوم، وكنت تعرّفت على تيد داقني من قبل، وبالطبع أعرف دكتور فرانسيس كسوداني من قبل.
ما لم أكن أدركه وقتها أن هذا الثلاثي جزء من مجموعة من سبعة أعضاء تُطلق على نفسها اسم (المجلس)؛ وأن هذا (المجلس) هو أخطر مجموعة على وحدة السودان الترابية، وأنها تعمل سراً لفصل جنوب السودان.
واستبان لي لاحقاً أنهم يتخذون لأنفسهم أسماءً سرية، بل أسماء “شِلليّة” Clannish.


