رأي

محمد الأمين العبقرى: الأجدر به أن يلفه علم السودان

محمد الأمين العبقرى:
الأجدر به أن يلفه علم السودان
بقلم: عبد اللطيف سعيد

أول مرة تقع عينى على محمد الامين كانت فى عصر يوم من أيام سنة ١٩٦٤ وأنا طالب فى السنة الاولى بمدرسة مدنى الثانوية وكنت من ضمن مجموعة من الطلاب ندرس الموسيقى تحت اشراف استاذ الفنون الاستاذ حافظ عباس جاء محمد الامين ولعله بموعد سابق مع استاذ حافظ وهو يلبس جلابية بيضاء ورجله مكسورة مجبصة واستمع الى عزف الطلاب اذكر انه بعد ان انتهى العزف امسك اذنه بيده وقال: ” ياحافظ اولادك ديل موسيقتهم دى فيها (خنة) لاانسى كلمة (خنة)لانه كأنه نحتها نحتا
رايته بعد ذلك فى داخليتنا يجلس مع الطلبة على سرير ويمسك العود ويعزف و حين يستغرق فى العزف يضع العود على ظهره ويضربه دون ان يخطئ فى اللحن
وكان ياتينا فى صحبته شاب صغير وضئ يلبس رداء وقميصا عرفنا فيما بعد انه ابو العركى البخيت اذ كلاهما لم يشتهرا بعد
كانت مدنى الثانوية وقتها دنيا من دنا الابداع اذ كان ميدان كرة السلة المضاء بكشافات باهرة ليلا من افضل اماكن المشاهدة جذبالجماهير الطلاب التى تسمع لها هديرا كلما عانقت الكرة الرشيقه الشبكة العالية
وكان اشهر الاعبين وقتها الشقيقان : عبده عز الدين( الطيار فيما بعد ) واخوه سامى عز الدين ( لاعب المريخ الفقيد) وفى المدرسة (اسكيمو) (ليوناردو دافنشى زمانه) وخالد حجر عازف الكمان المجيد وقد تخرج للتو دون ان نلقاهم فى المدرسة عبد الباسط سبدرات وفضل الله محمد فتامل!
ولد محمد الامين فى ود النعيم وهى احدى محطات السكة حديد الكبرى واحدى مراكز مشروع الجزيرة الاساسية وهى قريبة من بركات رئاسة المشروع يكفى ان منها المهندس ورجل الاعمال الفذ صاحب الافكار النيرة المتجددة بشير حسن بشير رحمه الله ومنها قبله المناضل ود الازيرق عضو اتحاد مزارعى الجزيرة دورة ١٩٥٣ برئاسة شيخ الامين محمد الامين التى نفذت الاضراب فى وجه الانجليز وود الازيرق هو احد كبار افراد اسرة الفنان محمد الامين وولد فى ود النعيم الاستاذ سعد امير طه وهو اعظم معلم رايته فى حياتى
ثم ثم محمد الامين !
وانتقل منذ طفولته الباكرة الى ود مدنى فى اواخر الخمسينات وبداية الستينات جاء مجمد الامين وقد كادت ود مدنى ان تقول: هل غادر المغنون من متردم بعد الكاشف والخير عثمان وو د الشبيلى فجاءهم ود اللمين بالمتردم بعد المتردم غنى لهم كما لم يغن احد قبله :
قلنا ماممكن تسافر والجريدة ووحياة ابتسامتك وانا وحبيبى
لاحظت ان محمد الامين يهتم اذا غنى للاخرين ان يكون فى غنائه اشارة للعيون فمن الحقيبة غنى : العيون النوركم بجهرا وفعل فيها الافاعيل
وغنى لوردى ومعه : يانور العين كلنا سمعناه يغنى هو ووردى هذه الاغنية ولولا خوفى من معجبى وردى الحساسين والى مابنهبشوا لقلت ان محمد الامين قد اتعب وردى وحيره !
انا الان فى ود مدنى لم ار ماتوقعته من علامات الصدمة لهذا الفقد الجلل
لم تخرج
مواكب حزينة لم يعلن الحداد رسميا ماانزلوا اليافطة المكتوب عليها ( ابتسم انت فى ود مدنى)
لم ينظموا جنازة تعبيرية كالتى عملها المصريون لنا مات محمد عبد الوهاب : موكب به مواتر وخيول وعساكر بالزى الرسمى وطفلات يحملن ورودا بيضاء
ولم يقم المجتمع بعمل جماعى وانما خيمة هنا وتجمع هناك وصيوان هنا وندوة هناك ” كل واحد لبع براه” على حد قول الفقيد لما لخبطت الاوركسترا فاوقفهم تلك الايقافة التى ينبغى ان تسجلها معاهد تدريس الموسيقى كواحدة من ابداعات الموسيقى العالمية
لااعرف ان كان محمد الامين سيوارى الثرى فى امريكا ام سيجاء بجثمانه الى السودان
انا اطالب بان يلف جثمانه بعلم السودان هنا او هناك فذلك شرف يستحقه ولانتركه مكفنا فى ( الملايات) الامريكية كما تقول الطرفة المنسوبة اليه
الا رحم الله محمد الامين فى الخالدين وعوض السودان خيرا

زر الذهاب إلى الأعلى