رأي

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (30)

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (30)

بقلم :السفير عبد الله الأزرق
واشنطن (7)

في تلك الأيام (1994) اشتدت الحملة الإعلامية ضد السودان؛ وكان من أسباب اتّقَادِها انتصاراتنا في جنوب السودان، وتقهقر قوات قرنق، وضعفها عسكرياً، وهذا تضيق به الجهات الداعمة لهم.

لم يكن العمل في الدبلوماسية لسوداني سهلاً ولا مريحاً في تلك الفترة ، فالتحديات جسام . وكنت أتأسى بقول المتنبي :

مَلِلْتَ مُقامَ يَوْمٍ لَيْسَ فيهِ
طِعانٌ صادِقٌ وَدَمٌ صَبيبُ
وَأنْتَ المَرْءُ تُمْرِضُهُ الحَشَايَا
لهِمّتِهِ وَتَشْفِيهِ الحُرُوبُ
وَما بِكَ غَيرُ حُبّكَ أنْ تَرَاهَا
وَعِثْيَرُهَا لأِرْجُلِهَا جَنيبُ
مُجَلَّحَةً لهَا أرْضُ الأعادي
وَللسُّمْرِ المَنَاحِرُ وَالجُنُوبُ

ومن بين ما شاع إعلامياً ، في أميركا وفي غيرها من بلاد الخواجات ، أن السودان يستخدم الغازات السامة في حرب الجنوب. وقامت تلك الافتراءات على تقارير من المعارضة السودانية الشمالية، التي دأبت على عدم التفريق بين الوطن والحكومة. وروجتها كذلك حركة التمرد.

وروَّج لذلك الادعاء الظالم في مرحلة لاحقة، سوداني اسمه جمال محمد أحمد الفضل.
وكان جمال الفضل انضم لابن لادن قبل أن يعلن إنشاء القاعدة؛ لكنه اختلس منه 110 ألف دولار واختفى، ثم انشق عليه.. وفي أريتريا اتصل بوكالة المخابرات المركزية CIA، وجرى تجنيده بتشجيع من Jack Cloonan and Dan Coleman اللذان كانا يعملان في وحدة متابعة بن لادن في مكتب التحقيقات الفدرالي FBI.

قال جمال الفضل للأمريكان: إنه وعضو القاعدة العراقي ممدوح محمود سالم التقوا بأحد الإسلاميين السودانيين في 1993 أو 1994 في حِلّة كوكو بالخرطوم بحري، لمناقشة موضوع أسلحة كيماوية!!!
واعتقلت المخابرات الأمريكية ممدوح محمود في ألمانيا لاحقاً بوشاية من جمال الفضل.

ويبدو أن دوافع جمال الفضل في انضمامه لابن لادن كانت مادية أكثر من كونها مبدئية؛ لأنه كان يشتكي من أن راتبه كان 500 دولار في حين أن ابن لادن يعطي بعض المصريين 1200 دولار.
وفي تقرير للمخابرات الأمريكية أن تكلفة معيشة جمال كانت كبيرة خلال فترة بقائه تحت الحماية بموجب برنامج حماية العملاء والشهود؛ ووصفوه بأنه شخص متقلّب المِزاج، واتهموه بأشياء أخرى ، لا أرى من اللياقة ذكرها .
وفي تقييمهم لتقاريره قالوا: إنه يكذب.
ورغم ذلك جعلوه شاهداً ضد ابن لادن في محاكمة جرت له غيابياً في نيويورك في 2001.
خَمُل ذكر جمال الفضل فيما بعد ، ولم يعد مذكوراً؛ وربما أصبح مختفياً في منزل آمن Safe-house ومحميّاً بموجب برنامج حماية العملاء Agents Protection، الذي تنظمه الأجهزة الأمريكية لعملائها.

كان وزير خارجية أميركا وقتها هو وارن كريستوفر؛ في فترة رئاسة كلينتون الأولى. وكان السفير أحمد سليمان قناة الاتصال الرئيسية بالخارجية.
وقتها أخذ الأمريكان يبدون تبرمهم من وجود أسامة بن لادن بالسودان. ولم يقتنعوا بقول الحكومة: إنه سيبقى مستثمراً فقط، ولن تسمح له بنشاط مناهض لأي دولة.
وأذكر أن السفير قال لي: إنه في إحدى نقاشاته مع الخارجية حول ابن لادن، قال لهم: ألَمْ يسترعِ انتباهكم أن ابن لادن المليونير، والطبيب الاختصاصي أيمن الظواهري ابن العائلة الكبيرة في مصر تركا كل النعيم الذي كان يمكن أن يرفلا في ظله وذهبا للجهاد في أفغانستان رغم المخاطر والبيئة غير النظيفة؟؟ ألا يستحق هذا الأمر دراسة عميقة منكم؟؟

وجدتُ أن السفارة وظّفت مؤسسة ضغط Lobbying Firm، لتشرح سياسات الحكومة السودانية ومواقفها، وهي محاولة لتوضيح الواقع وتحسين صورة السودان.
وكانت تلك تجربة فاشلة بكل المقاييس. وكان الموظف الذي كلفته تلك المؤسسة بالتواصل معنا يهودياً، وربما كان صهيونياً. واكتشفت أنا تلك المعلومة – لأنني كنت أشك به – بأن قلت له: إننا ليس لدينا موقف معادي لليهود كيهود ، فقد كانوا يعيشون في السودان في أمان ، وإلاّ ما قبلنا بتوظيفك كمسؤول اتصال. فلم يملك إلاّ الاعتراف بأصله.
وهذه وحدها كافية لتبيِّن أنه لا نتائج إيجابية ستنجم من عمل تلك المؤسسة.
فاليهود الذين يعملون في السياسة غالباً لديهم تحيُّزاتهم ضد المسلمين.

ولمستُ تحيُّزاتهم في الموظفين الذين يعملون مع أعضاء الكنجرس Staffers. وكذلك الذين يعملون في خدمات الكنجرس البحثية Congressional Research Service. وهذا مستودع فكري Think Tank صغير مهمته تزويد أعضاء الكنجرس بأوراق وبحوث حول مختلف القضايا.
ونظراً لأن اهتمام أعضاء الكنجرس بالقضايا العالمية يأتي تالِياً للقضايا المحلية، فالعالم الخارجي ليس مُحَدِداً للانتخابات في دوائرهم؛ تظل نتائج وتوصيات بحوث ذلك المستودع عن القضايا الخارجية هي إنجيلهم.

تعرفتُ على تيد داقني Ted Dagne، وهو في الأصل من يهود الفلاشا، ومتزوج من صومالية يقول: إنها مسلمة. ويعمل Staffer مع عضو كنجرس في لجنة العلاقات الخارجية.
وتيد داقني مثال ليهودي يكره الإسلام والمسلمين، وكان شديد العداء للحكومة السودانية.. وسنفصل دوره وآخرين في “المجلس” الذي فصل الجنوب!!!

كما يتركز اليهود في المستودع الفكري “خدمات الكنجرس البحثية”، وخاصة في أقسام الإسلام والمسلمين والشرق الأوسط. وكنت كثير التردد عليه لأحصل على بحوثه.. وبقراءتها وجدت تحيُّزاً واضحاً ضد قضايانا؛ وهذا ما يؤثر على مواقف رجال الكونجرس وتحيزاتهم في تلك القضايا.

أمّا المعارضة الشمالية فلم تحصر نشاطها في العمل الإعلامي لدعم التمرد وإشاعة خروقات فوق التصوّر تَدّعي أن الحكومة السودانية تقترفها.. بل نشطت في الاتصال بالخارجية الأمريكية وبأعضاء الكونجرس، سوداً وبيضاً، يعينها أشخاص مثل تيد داقني.

ولتخفيف الحملة المتحيزة، اقترحت على الخرطوم أن تبعث لنا السيدة أقنس لوكودو، والي ولاية بحر الجبل (جوبا) فهي مسيحية، وامرأة وأفريقية صِرْفَة؛ والحكومة السودانية مصنّفة غربياً بأنها حكومة عرب متطرفين إسلاميين، يصادرون حقوق المرأة ويضطهدون المسيحيين الأفارقة في جنوب السودان.
ونظمنا لها برنامجاً في الكنجرس ولقاءات إعلامية واجتماعات مع شخصيات نافذة.
ومن بين تلك اللقاءات اجتماع مع السيد دونالد بين Donald Baine رئيس الكتلة السوداء بالكونغرس.
وفي الموعد المضروب ذهبنا للقائه.
وبعد ما لا يزيد على دقيقتين، أغمض العضو المحترم عينيه وأخذ يشخر شخيراً عالياً. وفهمنا: اخرجوا!!!

وفهمت أنه ينظر إلينا كخونة باعوا قومهم السود ، للعرب المسلمين الذين يتاجرون في بيع إخوانه الأفارقة !!! . هذا مبلغُ علمه عن السودان وحربنا في الجنوب ، وفقاً لما جاءه ونشرته الدعاية الإعلامية عن مجريات أوضاعنا .

زر الذهاب إلى الأعلى