سياحة الآثار في السودان ما بعد الحرب (٢-٤)

سياحة الآثار في السودان ما بعد الحرب (٢-٤)
بقلم : محمد الشيخ مدني
الحمد لله أفلحنا في إستصحاب مدير عام اليونيسكو للبجراوية … وبعد جولة قصيرة حول الإهرامات … واضح أن مدير عام اليونيسكو قد إنبهر بما رأي وتعجب كثيرا … فعاجل أحد مرافقيه وكان مصري الجنسية بسؤال واحد … هل حقيقة أن هذه الآثار غير مسجلة في التراث العالمي حتى الآن؟ تلكأ المرافق المصري في الإجابة … فكرر له السؤال بصورة أكثر تحديدا … فأجاب المرافق بأنها فعلا غير مسجلة … عندها قال لنا السيد مدير عام اليونيسكو بالحرف … (يؤسفني أن أعلم أن مثل هذه الآثار القيمة ليست مسجلة في التراث العالمي حتى اليوم … ولكن رغم ذلك لا أملك أن أفعل لكم شيئا الآن … لأن إجراءات التسجيل في التراث العالمي تستغرق ست سنوات كاملة … ولكني أعدكم بعد عودتي لباريس وفي خلال أسبوعين فقط أرسل لكم واحدا من أكبر نوابي ليبدأ لكم ملف التسجيل) … وفعلا أوفى الرجل بوعده … وفي أقل من أسبوعين وصل السودان أحد نواب مدير عام اليونيسكو وفتح ملف التسجيل … والآن لنتعرف على إجراءات التسجيل … يبدأ الإجراء بإعداد ملف علمي متكامل عن المواقع الأثرية وخطة إدارتها … وهو ملف بحثي يماثل أطروحة الدكتوراة … ثم يقدم هذا الملف إلى مجلس التراث العالمي ولجانه المتخصصة لتقييمه … وقد أعد الملف د. صلاح محمد أحمد بمساعدة بعض من زملائه الآثاريين البريطانيين … بعد ذلك تقوم بعثة أولى من اليونيسكو تتكون من ثلاثة أفراد بزيارة لموقع الآثار وبعد المسح والدراسة ترفع تقريرا لمنظمة اليونيسكو … يعرض التقرير على لجنة مختصة تجتمع مرة في العام … فإذا أجازته … يعتبر ذلك نجاحا في العام الأول … ثم تأتي بعثة ثانية في العام التالي وتقوم أيضا بمسح ودراسة وترفع تقريرها للجنة لإجازته … يستمر هذا الحال خمس سنوات كاملة … فإذا أجازت اللجان تقارير السنوات الخمس … يأتي مركز متخصص في العام السادس ليقدم التقرير النهائي لمركز التراث العالمي ليعرض ضمن أجندة المؤتمر السنوي … لقد ظللت أتابع شخصيا هذه البعثات طوال الست سنوات إبتداءا من إستقبالهم بالمطار … ثم تسليمهم لجامعة شندي التي كنت رئيسا لمجلسها لتسهيل مهمتهم … ثم وداعهم بالمطار … سارت الأمور بسلاسة حتى ودعنا بعثة المركز المتخصص في العام السادس … المركز المتخصص مطالب بإنهاء تقريره بتوصية للمؤتمر بواحدة من التوصيات الأربعة التالية : (١) تسجيل الآثار فورا … (٢) تأجيل التسجيل للعام القادم لإكمال بعض النواقص في التقارير … (٣) إعادة الملف ليبدأ من الصفر (السنة الأولى) … (٤) رفض الملف وعدم التسجيل … وبمتابعتي للبعثات ولمدة ست سنوات كان إنطباعي أن توصية المركز المتخصص ستكون (١) التسجيل الفوري … وليس غيرها … ذكرت في البداية أن الملف بدأ عام ٢٠٠٥م … نحن الآن في عام ٢٠١١م … عام عرض الملف على المؤتمر السنوي لمركز التراث العالمي … رأينا في الهيئة أن نشارك في ذلك المؤتمر بوفد كبير لنحتفل في باريس بالإنجاز الكبير والمناسبة السعيدة … وأذكر أننا طلبنا من الفنان محجوب كبوشية أن تصحبنا فرقته ضمن الوفد لنعرض إيقاع الدلوكة والغناء الشعبي … في بهو المركز … ثم ننتقل لبرج إيفل بباريس … كنا سعداء ومتفائلين جدا … ونحن في غمرة هذه الأفراح إتصل علي الشاب الديناميكي عبد الحفيظ العوض القنصل المسؤول عن ملف اليونيسكو في السفارة السودانية في باريس … وأخبرني أن المركز المتخصص وبكل أسف جاءت توصيته للمؤتمر (٣) يعاد الملف ليبدأ من الصفر … يعني تاني ست سنوات لنعشم في التسجيل … ورغم هذا الخبر الصادم والمحبط … واصل حديثه … ولكن يا أستاذ سوابق المركز تقول إن المؤتمر ليس ملزما بالتوصية إذا أحسنتم إختيار وفد يستطيع مواجهة توصية المركز بحجة أقوى … يعني منحني بصيص أمل … فقررنا قبول التحدي … فحرصنا أن يكون إختيار تكوين الوفد بمعايير دقيقة وضرورية لخدمة الهدف … ونقوم بترشيح من نراهم مناسبين للمهمة لجهات الإختصاص … وهذا ما شرحناه وأقنعنا به الجهات المسؤولة … وكان أول ما قمنا به هو الإعتذار للفنان محجوب كبوشية إذ أن الرحلة لم تعد إحتفالية … يتبع


