رأي

تعاقب الدساتير: الدوامة التي اشعلت الحرب



الدكتور الدرديري محمد احمد

(١)
إذا لم نعدل عن هذا النهج الذي استفحل منذ ان بدأت هذه الفترة الانتقالية، فستتناسل الدساتير لدينا كما يتناسل الفطر. فخلال أربع سنوات انتجت بلادنا دستورين هما الوثيقة الدستورية (٢٠١٩) ودستور لجنة المحامين (٢٠٢٢) الذي بني عليه الإتفاق الاطاري. ولا يزال الحبل على الجرار. إن تعاقب الدساتير ليس مما يحمد. وهو لا يدل فقط على الاضطراب الدستوري، وإنما هو نافخ الكير. بقدر ما يشتد وتتلاحق انفاسه، تزداد النار اضطراما. وحتى نتبين كم هي وخيمة دوامة تعاقب الدساتير، يكفي ان نعلم ان الدومنيكان والاكوادور وهاييتي، التي هي من أكثر بلدان الأرض اضطرابا وبؤسا، تجيء على رأس قائمة الدول الاكثر دساتيرا في العالم. ومن الامم الكبرى عرفت فرنسا في زمان سبق تعاقب الدساتير. ففي عام١٧٩١ صدر فيها الدستور الاول للثورة الفرنسية. ثم اعقبه بعد اقل من عامين دستور ١٧٩٣ الذي لم يطبق. ثم تلاه دستور ١٧٩٥، لتجيء بعده تباعا دساتير ١٧٩٧، ١٨٠٢ و١٨٠٤. ثم دستور ١٨١٤ (الذي أعاد العرش تارة أخرى لعائلة البوربورن، ناقضا غزل الثورة أنكاثا)، فدستور ١٨١٥ (دستور المئة يوم). واستمرت الدساتير الفرنسية في التعاقب لتبلغ في جملتها ستة عشر دستورا خلال ١٦٧ عاما. ثم استقر الامر اخيرا بصدور دستور ١٩٥٨ الذي هو دستور الجمهورية الخامسة الحالية. في سنوات هذا التعاقب اللاهث انطلقت طرفة في اوساط اساتذة وطلاب القانون والعلوم السياسية؛ فحواها انه لما قصد طالبٌ قسم الدساتير بمكتبة الجامعة يبحث عن نسخة من الدستور الفرنسي، طُلب منه ان ينشد بغيته في قسم الحوليات. وبينما كانت فرنسا تعاني جراء تعاقب الدساتير، كانت أمة كبرى أخرى، هي الولايات المتحدة، تختبرُ تجربة مغايرة. فبالرغم من أنها مرت بإمتخاض عنيف مثل الذي حاق بفرنسا، وفي ذات الحقبة من الزمان، لكنه لم يصدر لدى الولايات المتحدة الا دستور واحد هو دستورها الحالي الذي أقر في العام ١٧٨٩. فما الذي جعل الدساتير الفرنسية تتهاوى كأحجار الدومينو بينما يصمد الدستور الامريكي لأكثر من مئتين وثلاثين عاما. وهل من عظة نستفيدها من ذلك ان أردنا أن تجتنب بلادنا اصدار الدساتير تباعا كما تصدر الحوليات. في هذا المقال، والذي هو ليس بالقصير ومن ثم ننصح القارئ ان يجعل له نحوا من عشرين دقيقة، نوضح أن دخولنا دوامة تعاقب الدساتير هو الذي قادنا ــــ في السياق الكلي للأشياء ـــ لهذه الحرب. ونبسط رأينا في كيفية الخروج من هذه الدوامة ان أردنا لبلادنا فور انتهاء الحرب ان تسلك السكة التي تقودها للاستقرار.
​يعتبر النهج الذي اتبعه صناع الدستور في كل من فرنسا والولايات المتحدة من الأسباب الرئيسة للاختلاف بين ما جرى في البلدين. فبينما كان صناع الدستور الفرنسي يسعون للتعبير بحماس دافق عن الحالة الثورية الماثلة بين أيديهم، فإن صناع الدستور الامريكي كانوا معنيين بالتأسيس لانتقال متدرج الى وضع سياسي جديد. وبينما تسمى الطريقة الفرنسية في صناعة الدستور “المدرسة الثورية” Revolutionary، فان الطريقة الامريكية تسمى “المدرسة التطورية” Evolutionary . والتسمية هذه حديثه، ابتكرها البروفيسور قاري جاكوبسون في مقال له نشر عام ٢٠١٢ في مجلة Tulsa Law Review تحت عنوان: Revolution or Evolution: The Challenges of Constitutional Design. وبالرغم من انه كان لجاكوبسون فضل تسمية المدرستين الا انه سبقت الى التعريف بهما حنا ليرنر بالقول: “ان الأمر كله يتعلق بالكيفية التي ينظر بها صانعو الدستور للبرهة التي يولد فيها ذلك الدستور. فهم اما يعتبرونها لحظة ثورية، او مؤشرا لبداية جديدة في عملية تطورية مستمرة ترتبط بتحول اجتماعي وسياسي تدريجي”. (أنظر في ذلك كتابها الذي طبعته دار كمبردج للنشر عام ٢٠١٢ تحت عنوان Making Constitutions in Deeply Divided Societies). ومهما قيل عن “الثورية” في علم السياسة قدحا ومدحا كوسيلة للتغيير، فإنها تناقض أساس “الدستورية” وتصادمه. ذلك ان غاية الثورية هي تحطيم ما سبق من تجارب في الحكم أيا كانت والازدراء بها. وقد عُرف بيرك وروسو وهيجل بإنتقادهم اللاذع لما سُمي “استزراع الدساتير”. فالدستور عندهم ينمو عضويا ولا يستزرع Grows organically, not implanted. وهكذا نتبين ان الثورية والدستورية مفهومان متضادان لا يلتقيان، بل يستبعد كل منهما الآخر Mutually exclusive. ومن ثم فان عبارة “المدرسة الثورية في صنع الدساتير” تتضمن مغالطة Fallacy. لكنها انما تستخدم في مقابل “المدرسة التطورية”، التي هي المدرسة المنهجية المتبعة. فإنما بضدها تمايز الأشياء.

فاذا نظرنا للدستورين الاخيرين تبين لنا ان صُناعهما كانوا يتبعون النهج الثوري في كتابتهما، الامر الذي عبروا عنه صراحة في مقدمتي ذينك الدستورين. فقد حفلت الوثيقة الدستورية بعبارات من شاكلة “وايمانا بمبادئ ثورة ديسمبر ٢٠١٨ المجيدة”، و”استنادا على شرعية الثورة”، “والتزاما بأهداف اعلان الحرية والتغيير”. وجاءت في مقدمة دستور لجنة المحامين عبارات “ايمانا منا بثورة ديسمبر ٢٠١٨ المجيدة وانطلاقا من مبادئها في الحرية والسلام والعدالة”، “واستلهاما لمواثيق لجان المقاومة السودانية”. ثم تضمنت نصا يفيد تجاوز كامل التجربة الدستورية لحقبتي مايو والإنقاذ، جاء كما يلي: “استنادا لدستور ١٩٥٦ المؤسس للدولة السودانية، ودستور ١٩٨٥ الحاكم قبل انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩ (…) واستفادة من تجربة الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩”. وهكذا يتأكد ان صانعي الدستورين الاخيرين لا يبنون على المسيرة الدستورية السودانية المستمرة منذ الاستقلال، وانما يبتكرون دستورهم ابتكارا بالاستناد على لحظة “ثورية” لا صلة لها بأغلب الارث الدستوري السوداني، بل تعارض ذلك الميراث وترفضه.
​في المقابل فان مقدمة دستور ٢٠٠٥ الانتقالي تكشف عن ان من كتبوه كانوا يتبنون نظرة “تطورية” تقوم على التدرج في سياق مستمر. فقد جاء في تلك المقدمة ان ذلك الدستور يصدر “التزاما منا بضرورة التوجه بالحكم في المرحلة المقبلة من مسيرتنا السياسية نحو تعزيز النمو الاقتصادي وتوطيد التوافق الاجتماعي وتعميق التسامح الديني وبناء الثقة بين أهل السودان جميعا، والتزاما باتفاقية السلام الشامل الموقعة في يناير ٢٠٠٥، وإستهداء بدستور السودان لعام ١٩٩٨، والتجارب الدستورية السابقة منذ الاستقلال والتجارب الاخرى ذات الصلة”.

زر الذهاب إلى الأعلى