رأي

(أنتيجونا).. أو شرف المحارب

بقلم :د. وائل أحمد خليل الكردي

كثيراً ما كنا نسمع العشاق يتبادلون عبارة معينة يدعون فيها بأن العاشق منهم (يموت) في معشوقته أي أنه يحبها إلى درجة الموت، وتم تداول هذا التعبير على سنوات طوال بصورة واسعة في الدارجة المصرية أول الأمر ثم انتشر عبر الفيلم والتمثيلية والقصيدة إلى عموم الثقافة العربية.
والحق أننا لا ندري هل هذا التعبير عن الموت هو تعبير وافد إلى الثقافة العربية أم أنه كان أصيل فيها، وذلك لأننا نلمح روح هذا التعبير (العاشق يموت في محبوبه) في عمق الثقافة الإغريقية منذ وقت مبكر ولعله انتقل منها إلى الثقافة الإنجليزية مع ويليام شكسبير الذي استلهم تلك الروح الإغريقية في أكثر أعماله الروائية والمسرحية، وبانتشار شكسبير واسعاً وصلت إلينا هذه الثقافة ومعها مثل هذا التعبير، ولكنه وصل بشكله وصورته التعبيرية الشعورية دون دلالته الواقعية التي في مصدره الأصلي.. ونحن لم نعلم في بادئ الأمر أن ثقافة هذا التعبير لم تعني في الأصل العشاق على وجه الخصوص وإنما كانت تعني تفسير جوهر الحياة.. ولكي نفهم هذا فعلينا بمسرحية (أنتيجونا) التي ألفها الأديب الإغريقي الأشهر سوفوكليس وأعاد تأليفها على نفس المنوال جان أنوي.. فما هو ملاحظ على وجه العموم أن منتهى الشرف الاجتماعي وشرف الحياة عند قدماء اليونان هو أن يكون الإنسان محارباً في المقام الأول. و(محارب) تعني في طريقة حياتهم العظمة للشخص الذي يقتحم الموت في عقر داره فيظل يذهب إليه ولا ينتظر أن يأتيه هو، ظهر هذا جلياً في (إلياذة) هوميروس والتي جاء فيها (المحارب) في حالة الجندية يخوض معارك وحروب عسكرية، أما في (أنتيجونا) فقد ظهر مفهوم آخر للمحارب هو المحارب الذي يخوض معارك وحروب إنسانية واجتماعية، ويبقى المبدأ واحداً في كل الأحوال أن المحارب من يتعامل مع الموت وجهاً لوجه في دائرة الحياة وغمارها.
أنتيجونا هي قصة فتاة في أول عمر الشباب وهي ابنة أوديب الملك القديم الذي حملت العقدة النفسية في نظرية التحليل النفسي عند سيجموند فرويد اسمه، فأوديب كان بطلاً نبيلاً ومثلاً في الكبرياء والعلو رغم أنه وقع ضحية خطأ تاريخي دمر حياته، وانتيجونا هي ابنته التي ورثت عنه صفات البطولة والكبرياء فصارت رغم حداثة سنها محاربة اجتماعية شديدة العزم.
وشاهد القصة أن أكرون الملك وخال انتيجونا قد استولى على الملك في بلاد ثيبيا بعد موت أوديب وبعد أن تسبب في اهلاك ورثة الملك الشرعيين ولدي أوديب وشقيق انتيجونا وواحد منهما كان قد قاد ثورة ضد خاله الملك وعندما قتل القى اكرون بجثته مكشوفة في العراء يتناوب الحراس على منع الوصول إليها وتركها هكذا تتعفن وتتحلل، وكان هذا من أنواع العقاب عند الاغريق للإنسان بعد موته على أساس اعتقادهم أن الذين لا يُدفنون يتيهون على وجه الأرض إلى الأبد ولا يجدون راحة.. كان هذا سبباً من الاسباب التي دفعت انتيجونا للإصرار على محاولة دفن أخيها برغم الحراسة المشددة عليه ولو باستخدام يدها وأظافرها لتغطيه بالتراب.. وعندما قبض عليها ومثلت أمام الملك حاول بكل جهد أن يثنيها عن فعلها هذا مرات بالترغيب ومرات بالترهيب بدعوى محبته لها بكونها ابنة أخته.. ولكن الأمر كان في ظاهره المحبة وفي باطنه حقيقة أنه ترك جثة ابن اخته هكذا لتكون ردعاً وارهاباً لكل من تسول له نفسه الثورة على الملك، فلو أنه دفنها لضاع هذا المقصد ولكان محفزاً على مزيد من الثورات عليه.. ولذلك وضعه موقف انتيجونا واصرارها هذا على دفن اخيها في حرج بالغ لأنه اصبح بذلك بين أمرين لا ثالث لهما وكلاهما يؤديان إلى نفس النتيجة وهي انهيار ملكه، فإما أن يعلن هزيمته أمامها ويدفن الجثة فيكون بذلك قد أثبت ضعفه وهوانه فيشجع ذلك الثوار على الإطاحة به فينهار ملكه، أو أنه يقتل انتجونا برغم مشروعية ونبل موقفها فيكون بذلك قد تجاوز الحد في الظلم والطغيان على أقرب الناس إليه مما يدفع الجماهير كذلك إلى الثورة وربما كان أول الثائرين عليه هو ابنه هيمون والذي هو خطيب انتيجونا، فينهار ملكه.. ولم يكن هناك مخرجاً من هذا الحرج إلا أن تستجيب انتيجونا لتوسلاته وتهديداته وتتوقف عن محاولاتها لدفن جثة اخيها وان تتزوج ابنه بسلام.. ولكن انتيجونا لن تفعل هذا، ولن تتوقف عن محاولاتها ربما لأنها كانت تعلم وتستشعر يقيناً أنها تحرك بموقفها هذا شعباً كاملاً للثورة والتغيير حتى لو أدى ذلك إلى التضحية بحياتها.. واختار الملك قتلها على دفن الجثة ورغماً عن توسلات خطيبها المحب ابنه هيمون.. وحانت لحظة الإعدام ورمى الحراس انتيجونا في الحفرة ودحرجوا عليها الصخور، ماتت اتيجونا، ولكنها لم تكن وحدها في الحفرة وإنما كان معها هيمون ابن الملك الذي عاهدها بان لا يتركها ابداً، فسارع الملك إلى اخراج ابنه قبل أن يلفظ أنفاسه ولكن سرعان ما اتكأ الابن على سيفه فأولجه في بطنه أمام أبيه وتمدد بالقرب من انتيجونا وأخذ يضمها إليه في بركة من الدم.. لقد كان هيمون محباً لانتيجونا حقاً.. ولكن ربما كان السبب أيضاً في اختياره الموت على رؤوس الأشهاد هكذا أن لا يقل في أعين الناس بطولة وشرفاً عن انتيجونا التي اقتحمت الموت فيصير مثلها محارباً سيذكره الاغريق في اساطيرهم على هذا النحو وليس بأنه ذلك الفتى المنشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين. فكان هذا أيضاً عاملاً كبيراً في انهزام الملك أمام نفسه قبل انهزامه أمام الجماهير.
ولعل لنا في ذلك عبرة.. أن الحرب كأنها سنة كونية يفرضها الله على الانسان حيناً (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) ليخرج الانسان من الحياة الوادعة الهانئة على طول الوقت والتي تكاد أن تميت القلب والاحساس بجوهر الحياة ومأساة أناس آخرين، ليصبح هذا الإنسان بعد فواتها محترماً في عين نفسه، محترماً في قيمته بين الناس، وفوق كل ذلك محترماً عند الله عندما يقتحم الموت جهراً أو يقتحمه الموت فيجده محارباً على الحق.. ولو أنه ثبت في حربه ضد أعداء بلاده لكان أكثر ثباتاً في عمران وتشييد ما هدمته الحرب بعدما تنتهي وبأفضل مما كان قبلاً.. وتحضر في هذا المقام ذكرى القائد العسكري السوداني العظيم والشهيد الحي عند الله بإذنه تعالى (عبد المنعم الطاهر) عندما قال لجنوده يوم الزحف (نحنا لا نهم.. لا نهم.. لو الموت ده لو وقع علينا واللا وقعنا عليه).. هنا يجف القلم.

زر الذهاب إلى الأعلى