رأي
طريق الحرير أم طريق الديون؟!

منصة
أشرف إبراهيم
طريق الحرير أم طريق الديون؟!
استوقفني كتاباً مهماً حوى مقالات للكاتب ديبانجان تشودري وهو يشير فيه إلى معلومات ذات طابع بحثي عن طبيعة التواجد الصيني في إفريقيا وأطماع بكين في تعزيز وجودها دون فائدة حقيقية تذكر للقارة السمراء بل في الواقع تكبيل الدول الأفريقية ورهن إرادة الحكومات فيها للتنين الصيني الجامح تحت مايسمى بفخ الديون.
- وتسمية فخ الديون تناسب تماماً طبيعة العلاقة بين الصين وأفريقيا والتي تبدأ في الاستثمارات في النفط والمعادن واستخراجها عن طريق الشركات الصينية، المفارقة هنا أن الصين رغم أنها تأخذ الموارد المستخرجة هذه لكنها في ذات الوقت تصبح بطريقة ما دائنة للدول الأفريقية التي تفقد مواردها التي تضخ لبكين يومياً وتكون مدينة ومطالبة من بكين بزريعة الصرف على التأهيل والاستثمار في الإنتاج مع أن بكين تاخد كل أو معظم ماينتج من موارد.
- اذا أخذنا السودان الموحد في السابق وجنوب السودان الآن كنموذج نجد الصين ضمت الدولة لدائرة نفوذها عبر شركة البترول الوطنية واستولت على 3.5 مليار برميل نفط منذ عام 2011 عام الانفصال والى اليوم ، ومع ذلك ورغم هذا الإنتاج الكبير من النفط، تفتقر دولة الجنوب الى بنية تحتية يمكن أن تساعد في تعزيز وضعها الاقتصادي وتعاني دولة الجنوب الفقر والمرض والجوع، وفي خلفية تاريخية نجد بكين دخلت في عام 1996 صناعة النفط السودانية، وعلى الرغم من العقوبات الأمريكية المفروضة في ذلك الوقت ، استمرت الصين في متابعة مصالحها بلا هوادة في الدولة التي مزقتها الحرب.
لأن الأمر يتعلق بالسيطرة على طرق التجارة لتوسيع مبادرة الحزام والطريق الطموحة ، وظلت إفريقيا بالغة الأهمية للنظام الشيوعي الصيني . - سيطرت الصين عبر المؤسسة الوطنية للبترول (CNPC) في ذلك الوقت تماماً على النفط في الجنوب والى الآن ، اعتادت بكين أن تدعي أنها لم تكن تتدخل في الشؤون الداخلية للآخرين لكن الواقع غير ذلك بالشواهد، مثل جنوب السودان بمثابة فرصة عظيمة لبكين وكانت تهدف الصين إلى تأمين دخل كبير من النفط ، وتلبية احتياجات البنية التحتية ، والوصول إلى العمالة الرخيصة ، وقبل كل شيء عدم وجود منافسة من اليابان والولايات المتحدة، ويمثل جنوب السودان اثنين في المائة فقط من احتياجات الصين النفطية نظرًا لأن هوامش الربح تصل إلى 50 في المائة ، والوصول إلى هذا المورد الحيوي يناسب الرغبة في المخاطرة لدى الشركات الصينية. في الآونة الأخيرة ، وصلت حقول النفط في جنوب السودان إلى مرحلة النضج وتقترب من النضوب على الرغم من أن جوبا تحاول التخفيف من انخفاض الإنتاج باستخدام تقنيات محسنة لاستخراج النفط.
بالشواهد جنوب السودان عاجز تماماً وأصبح بؤرة للإستغلال الصيني حيث ورد أن بكين تصدر 80-95 في المائة من النفط المنتج في هذا البلد. - مول البنك الصيني قرضًا ضخمًا لبناء طريق بطول 392 كيلومترًا (244 ميلًا) من العاصمة جوبا إلى رمبيك في المنطقة الوسطى ومن خلال هذه الصفقة المالية ، ستكون الصين قادرة على زيادة احتياطياتها من النفط الخام عن طريق إطالة المدة بشكل متعمد لإكمال مشروع البنية التحتية.
- عندما انفصل جنوب السودان عن السودان في عام 2011 ، اقتربت المنطقة من إنتاج المعادن ، وتحديداً الذهب ، لتعويض خسارة حوالي 75 في المائة من عائداتها النفطية.
- الكاتب ديبانجان روي تشودري محرر الشئون الدولية في الصحافة الهندية سلط الضوء على الأطماع الصينية والتجارب المريرة للدول الأفريقية معها ووقوعها في فخ الديون المقيدة التي تسلبها إرادتها في مقابل ضغوط بكين على الحكومات الأفريقية التي لا تجد سنداً شعبياً وشرعية تمكنها من خوض هذه المغامرات والتي في الغالب تضع القرارات وخصوصاً المتعلقة بالاقتصاد في جيب بكين.
- من الواضح أن الصين ليست كما يظن كثيرين من انها تعمل بلا أجندة المعلومات التي حواها الكتاب وتتبع الكثير منها بالبحث عبر الشبكة الدولية للمعلومات اتضح أنها تعمل باستراتيجية توسعية في إقتصاديات الدول الصغيرة النمو والتي تمتلك موارد ومعادن ومخزون نفطي، وليس في مقدور دول القارة الأفريقية التصدي لها خصوصاً الدول التي تقع في “الفخ” دون الوقوف على التفاصيل الصغيرة في الاتفاقيات التي تبدو في نقاطها العامة مغرية ولكنها تضع السم في الدسم وتبدأ عند تنفيذها في دفع تكاليف فواتير طويلة الأجل وذات تأثير مستقبلي ضار.
- ليست الدول الأفريقية حتى أمريكا بكل قوتها الاقتصادية وهيمنتها على العالم فشلت في كبح جماح الهيمنة الصينية على السوق الأمريكي ذاته رغم القرارات المتعددة وفرض الرسوم والقيود وآخرها في عهد ترامب وتعمل بكين على الضغط على نظام بايدن لإلغائها وأمريكا مدينة بترليونات الدولارات للصين.
- في حالة السودان الذي تخبط في ملف العلاقات الخارجية مؤخراً كثيراً، فإنه رغم ضعف التأثير الصيني بعد ذهاب نظام البشير وانفصال الجنوب وذهاب النسبة الأكبر من النفط معه، ومحاولات تطوير العلاقات مع أمريكا وأوروبا التي تواجه عقبات وتحديات تتداخل فيها الأجندة السياسية والايدلوجية وتقاطع المصالح ورغبة الغرب في فرض أجندة بعينها وضمان تعيين حكومة تتماهى معه، تبرز الحاجة للتفكير العميق في هذا الملف وتبدو هنالك فرص وخيارات ومن بينها الهند والبرازيل واليابان وروسيا والدول التي ليست لديها أجندة استعمارية وأهداف توسعية ويمكن أن تكون الهند النموذج المثالي والأوفر حظاً في ترتيب أولوية العلاقات الخارجية.
- وستكون الاستفادة الكبيرة من تطوير العلاقات مع الهند في تطوير الزراعة والصناعة وجلب الآليات والتقانة الحديثة للزراعة وللصناعة في مجال القطن والجلود والأغذية وصناعة بنية تحتية كبيرة للصناعات التحويلية وصناعة السكر والملابس وغيرها، وكذلك الاستفادة من تقدم الهند في مجال التكنلوجيا وقد قطعت الهند أشواطاً كبيرة في ذلك تتفوق فيها حتى على الدول الغربية.
- وتعتبر الهند أقرب للسودان من خلال تداخل تاريخي ووجود جالية هندية كبيرة وقديمة في السودان عملت في مجالات مختلفة، هذا فضلاً عن كون الهند ليست لديها أي أهداف وأجندة بخلاف المصالح المشتركة ويمكن أيضاً الاستفادة من التقدم الطبي في الهند بتطوير الخدمات الطبية في السودان والجميع يعلم التطور الكبير للهند وقد باتت مقصد لكثير من السودانيين للعلاج والسياحة والتجارة وكلها عوامل تدعم وتعزز ضرورة تطوير العلاقات بين السودان والهند وليت الحكومة السودانية تهتم بهذا التوجه في ظل حصار مفروض عليها معلن وغير معلن.


